د. أحمد حمدي - صفة خروج الحسين -رضي الله عنه- ومقتله (3) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2018-11-06 16:10:19

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد خرج الحسين بن علي -رضي الله عنهما- يوم التروية الثامن مِن ذي الحجة عام ٦٠هـ، بعد أن أرسل إلى المدينة إلى عددٍ مِن إخوته وآل بيته، فخرج في نسائه وأولاده وعدد مِن إخوته وآل بيته قرابه ٧٢ قاصدين الكوفة، وقد حاول عبد الله بن عباس منعه وتأخير خروجه إلى بعد انقضاء موسم الحج، وحاول عمرو بن سعيد بن العاص نائب يزيد بن معاوية على مكة منعه فلم ينتهِ، فوصل الخبر إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة فأرسل إليه الحر بن يزيد في ألف فارس ليمنعه مِن دخول الكوفة ويحمله على النزول على حكم وأمر عبيد الله بن زياد فرفض الحسين -رضي الله عنه- واحتد على الحُر بن يزيد فاحتمله، وقال له: "إني لا أريد قتالك، ولا أن أبتلى بك"، وصلى كلا الفريقين خلف الحسين.

فأرسل عبيد الله بن زياد جيشًا قرابة أربعة آلاف بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وقد كان رافضًا في بداية الأمر أن يقاتِل الحسين، ولكن لما هُدِّد بالعزل خرج وكان معه شَمَر بن ذي الجَوّشن، فأحاطوا بالحسين ومَن معه ومنعوه مِن ماء الفرات، وعلم الحسين أن أهل الكوفة خذلوه ولم يخرجوا لنصرته أو الدفاع عنه فطلب مِن عمر بن سعد بن أبي وقاص أحد ثلاثة أمور: إما أن يحمله إلى يزيد بن معاوية أو يتركه يرجع إلى مكة أو المدينة حيث خرج منها أو يتركه يخرج إلى جهاد وقتال الترك وحراسة الثغور الإسلامية، وأراد الحر بن يزيد (الذي رجع عن قتل الحسين بعد ذلك) وعمر بن سعد أن يقبلا أحد هذه العروض في بداية الأمر، ولكن الرجل الفاجر شَمَر بن ذي الجوشن هو الذي حرّض، وقال: "لا حتى تنزل على حكم عبيد الله بن زياد"، فرفض الحسين -رضي الله عنه- وحدث اقتتال بيْن الفريقين حتى قُتل عدد كبير مِن أتباع الحسين وإخوته ممَن خرجوا معه، وكان جيش عبيد الله بن زياد يتجنب أحد منهم أن يُبتلى بقتل الحسين ودمائه لمكانته مِن رسول الله فهو ابن ابنته فاطمة ومِن احب آل بيته إليه، وهو سيد شباب أهل الجنة هو وأخوه الحسين -رضي الله عنهما-، ولكن الفاجر شمر بن ذي الجوشن حرّض عليه بقوة فطعنه رجل يُسمى سنان بن عمرو بن أنس النخعي فقتله وحزّ رأسه رجل يسمى خُولي بن يزيد الأصبحي عليهم مِن الله ما يستحقون.

فأمثال هؤلاء: عبيد الله بن زياد، وشمر بن ذي الجَوّشن، وسنان وخُولي يستحقون اللعن، ونتمنى لهم النار ونبغضهم في الله، ولا نحكم بكفرهم ولا خلودهم في النار ومثلهم ابن جرموز الذي قتل الزبير بن العوام -رضي الله عنه-، وعبد الرحمن بن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وحُمِلت رأس الحسين بن علي إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة، وكان مقتله بكربلاء يوم الجمعة يوم عاشوراء العاشر مِن شهر الله المحرم ٦١هـ، وقيل: إن رأسه دُفِنت في مشهد علي بالعراق. وقيل: حُملت إلى يزيد بن معاوية فحزن وبكى عند رؤيته، وقال: "لو كنتم تاركوا لي صاحبي لم أقتله". وقيل: إنها دُفنت في باب الفراديس بدمشق. وقيل: إنها دُفنت في قبر أمه بالبقيع.

ومِن خزعبلات الشيعة الروافض والصوفية: أنها حُمِلت إلى مصر، ودُفنت هناك في القاهرة، وبعد ذلك بسنتين عام ٦٣هـ قام أهل المدينة بإخراج بني أُمية لظلمهم وجورهم، فعلم بذلك يزيد بن معاوية فأرسل إلى عبيد الله بن زياد الذي أرسل إليهم مسلم بن عقبة الذي يُسمى مُسرف بن عقبة الذي حاصر المدينة فلم ينزلوا على رأيه حتى حدث القتال واستُبيحت المدينة، واستحلت حرماتها ثلاثة أيام حتى قُتل عدد كبير مِن التابعين والصالحين مِن أهل المدينة وانتُهكت الأموال. وقيل: حَملت ألف امرأة ذلك اليوم مِن أهل المدينة مِن الاغتصاب! وكانت هذه مِن النقاط السوداء بعد قتل الحسين في عهد يزيد بن معاوية وعهد بني أُمية، والسبب المباشر في ذلك هو عبيد الله بن زياد الذي قُتِل هو وشَمَر بن ذي الجوشن بعد ذلك شر قتلة في الدنيا غير ما ينتظرهم في الآخرة.

والشاهد: أن ابن كثير -رحمه الله- في البداية والنهاية علَّق على هذه الأحداث بأن خروج الحسين وأهل المدينة على بني أمية في وقعة الحرة بسبب الظلم أو الجور أو الفساد ترتب عليه أضعاف أضعاف ذلك مِن الفساد، والجور والظلم، وانتهاك الحرمات في الدماء والأموال والأعراض؛ لذلك عامة الصحابة أمثال ابن عباس وابن عمر نهوا عن ذلك، ولكن قدر الله وما شاء فعل، وإنا لله وإنا اليه راجعون.

فلعلنا نستفيد مِن هذه الحقبة التاريخية الدروس والعِبَر والتجارب حتى لا تكرر نفس المفاسد.