عصام حسنين - مبكاة العابدين! - بوابة الفتح الالكترونية
عصام حسنين
2018-12-01 16:14:39

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيقول الله -تعالى-: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) (الجاثية:21).

قال الطبري -رحمه الله-: "أم ظنّ الذين اجترحوا السيئات مِن الأعمال في الدنيا، وكذّبوا رسل الله وخالفوا أمر ربهم وعبدوا غيره، أن نجعلهم في الآخرة كالذين آمنوا بالله وصدّقوا رسله وعملوا الصالحات، فأطاعوا الله وأخلصوا له العبادة دون ما سواه مِن الأنداد والآلهة، كلا ما كان الله ليفعل ذلك، لقد ميَّز بيْن الفريقين، فجعل حزب الإيمان في الجنة، وحزب الكفر في السعير" (تفسير الطبري)، وكما قال -تعالى-: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ . مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (القلم:35-36).

وقال -صلى الله عليه وسلم: (كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ الْعِنَبُ، كَذَلِكَ لَا يَنْزِلُ الْفُجَّارُ مَنَازِلَ الْأَبْرَارِ) (رواه أبو نعيم في الحلية، وحسنه الألباني).

"الحكم الواقع القطعي أن المؤمنين العاملين الصالحات لهم النصر والفلاح والسعادة، والثواب في العاجل والآجل؛ كل على قدر إحسانه، وأن المسيئين لهم الغضب والإهانة، والعذاب والشقاء في الدنيا والآخرة" (تفسير السعدي).

وهذا يوجب لنا الخوف والوجل، فكلنا ذو خطأ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وهذه الذنوب لا نحتقرها ولا نستهين بها؛ فإنهن يجتمعن على العبد حتى يهلكنه؛ فبذنبٍ واحد أُخرج الأبوان مِن الجنة، وجعل إبليس شيطانًا رجيمًا، وبهم أصحاب الجنة أن يمنعوا المساكين حقهم طاف بحديقتهم طائف مِن ربك وهم نائمون فأصبحت كالليل الأسود البهيم.

إن الغافل حقًّا هو مَن يغفل عن نفسه، ومَن غفل عن نفسه قتلها كما قال الفضيل -رحمه الله-.

قال ابن عباس- رضي الله عنهما-: "يا صاحب الذنب لا تأمن سوء عاقبته، ولَما يتبع الذنب أعظم مِن الذنب إذا عملته، قلة حيائك ممَن على اليمين وعلى الشمال وأنتَ على الذنب أعظم مِن الذنب".

وقال ابن الجوزي -رحمه الله-: "مَن تأمل عواقب المعاصي، رآها قبيحة، ولقد تفكرتُ في أقوام أعرفهم، يقرون بالزنا وغيره، فأرى تعثرهم في الدنيا مع جلادتهم ما لا يقف عند حد، وكأنهم ألبسوا ظلمة فالقلوب تنفر عنهم، فإن اتسع لهم شيء فأكثره مِن مال الغير، وإن ضاق بهم أمر أخذوا يتسخطون على القدر؛ هذا وقد شغلوا بهذه الأوساخ عن ذكر الآخرة، ثم عكستُ فتفكرت في أقوام صابروا الهوى، وتركوا ما لا يحل، فمنهم مَن قد أينعت له ثمرات الدنيا، مِن قوت مستلذٍ، ومهادٍ مستطابٍ، وعيشٍ لذيذٍ، وجاهٍ عريضٍ؛ فإن ضاق بهم أمر وسعه الصبر، وطيبه الرضى، ففهمتُ بالحال معنى قوله -تعالى-: (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف:90)".

ولقد كان سلفنا -وما يزال الصالحون- يخافون ذنوبهم ويبكون منها لله -تعالى-، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لما سأله عقبة بن عامر -رضي الله عنه-: يا رسول الله ما النجاة؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: (أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وقال ثوبان: "طوبى لمَن ملك لسانه، ووسعه بيته، وبكى على خطيئته".

وقال مالك بن دينار: "البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما تحط الريح الورق اليابس".

وقال الفضيل بن عياض: "بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاء الليل يمحو ذنوب السر".

ولقد كانت هذه الآية الكريمة تبكي الصالحين مِن سلفنا ويسمونها: "مبكاة العابدين".

قال القرطبي -رحمه الله-: "وذكر ابن المبارك أخبرنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى، عن مسروق قال: قال رجل مِن أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله ويركع ويسجد ويبكي: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (الجاثية:21)، الآية كلها. وقال بشير: بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي فمرَّ بهذه الآية، فمكث ليله حتى أصبح لم يعدُها ببكاءٍ شديدٍ. وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرًا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد مِن أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: ليت شعري! مِن أي الفريقين أنتَ؟! وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين؛ لأنها محكمة" (تفسير القرطبي).

رحمهم الله -تعالى- ورزقنا حبهم، وعملًا مثل عملهم، وألحقنا بهم. آمين.