زين العابدين كامل - المؤثرات الخارجية وعدم تأثيرها على الضوابط الشرعية - بوابة الفتح الالكترونية

(الحسن البصري أنموذجًا)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في مقالين سابقين بعنوان: (المؤثرات الخارجية وتأثيرها على النفس) أن الإنسان أحيانًا ربما بسبب ما يتعرض إليه مِن ظلمٍ واضطهادٍ، تغيب عنه بعض الضوابط الشرعية التي تربى عليها، وضربنا مثالًا بزيد بن علي بن الحسين، واليوم نضرب مثالًا آخر بأحد السلف لم تؤثِّر المؤثرات الخارجية على رؤيته الشرعية، وهو سيد التابعين "الحسن البصري" -رحمه الله تعالى-.

لم يكن الحسن البصري يومًا مِن علماء السلطان، ولقد عاصر الحجاج وظلمه وبطشه، ولكن لم تغب عنه الضوابط الشرعية، ولقد عاصر الحسن البصري معظم فترات الحكم الأموي، وتأثر بالواقع السياسي في هذه الفترة، فأصبح يمثِّل مدرسة سياسية في عصره؛ لذا لما قامتْ ثورة عبد الرحمن بن الأشعث وخرج عشرات الآلاف على عبد الملك بن مروان وواليه على العراق الحجاج بن يوسف، لم يشارك الحسن البصري في الثورة، وكان ينهى عن الخروج فيها؛ لأنه كان  يرى أن حكم بني أمية فيه ظلم وجور، ولكنهم في نفس الوقت يملكون القوة العسكرية، وموازين القوى في صالحهم، كما أن الفئة الراغبة في التغيير والشاكية مِن الظلم، ينقصها التنظيم والإعداد والقوة والصبر.

ويرى أن الذين يحملون راية الخروج على حكم بني أمية إما مخلص لدينه، ولكنه لا يصلح للحكم ولا يقدر على إحداث التغيير، وإما رجال يستخدمون الدين والدعوة للتغيير لأغراضٍ دنيوية، منها: حبهم للسلطة والحكم؛ فليسوا بأحسن حالًا مِن الأمويين، وكان إذا قيل له: "ألا تخرج فتغير؟ يقول: إن الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف".  

ومِن أقواله: "يا أيها الناس، إنه والله ما سُلط الله عليكم الحجّاج إلا عقوبة، فلا تعارضوا عقوبة الله بالسيف، ولكن عليكم بالسكينة والتضرع"، وقدِم عليه جماعة مِن العلماء يناقشونه في الخروج مع ابن الأشعث على الحجّاج، ويحاولون إقناعه بالخروج مع ابن الأشعث، ولكنه رفض الخروج وقال: "أرى أن لا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة مِن الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم"، ولكنهم لم يسمعوا كلامه، ولم يأخذوا برأيه، فخرجوا مع ابن الأشعث فقتلوا جميعًا، وهزم أتباع ابن الأشعث هزيمة منكرة.

هذا وقد ترتب على تلك الثورة: ازدياد ظلم الحجّاج وبطشه، واشتد أكثر في تضييقه على العلماء فقتل مَن قتل منهم، وسجن مَن سجن منهم، وهرب منه مَن استطاع.

وهكذا نرى أن الحسن البصري -رحمه الله- لم تؤثِّر عليه الضغوط والمؤثرات، وكان دائمًا يقدِّم الضوابط والقواعد الشرعية على العاطفة، وهكذا يجب أن يكون أهل العلم.

والله المستعان.