أسامة شحادة - عِبَر مِن قصص الأنبياء (16) - بوابة الفتح الالكترونية
أسامة شحادة
2018-12-11 16:58:08

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ب- لوط -عليه السلام-:

مِن أهم العِبَر في قصة لوط -عليه السلام- لعصرنا: أن دعاة الفاحشة والشذوذ يعلمون خطأ ما يفعلون، وأنه ضار ومخالف للفطرة والخلق السوي؛ ولذلك عاتبهم لوط -عليه السلام- بقوله: (إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) (الأعراف:81)، فهو يصفهم بالإسراف في ارتكاب الحرام وتجاوز الحق وتفريغ الشهوة في غير محلّها، هذا الإسراف في الحرام وتجاوز الفطرة الذي يزيد مع الأجيال الجديدة مِن أهل الكفر والفواحش حيث أصبح للشذوذ صور أكثر شذوذًا مِن جريمة قوم لوط!

كما أن لوطًا -عليه السلام- وصف قومه فقال: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ . وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ) (الشعراء:165-166)، فهم معتدون متعمدون لتجاوز الحق والصواب والفطرة السوية وارتكاب الحرام والفاحشة، ووصفهم أيضًا: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) (النمل:55)، وليس هذا جهل العلم والمعرفة، بل هو جهل الطيش والاستخفاف، والعناد، واتباع الهوى، وكم أودى جهل الطيش هذا بكثيرٍ مِن شبابنا وشاباتنا اليوم فوقعوا في براثن الفاحشة والشذوذ، والخمر والمخدرات!

ومما يدل على أن أهل الفاحشة والشذوذ مِن قوم لوط -عليه السلام- كانوا معتدين متعمدين، ومسرفين عن إصرارٍ وهم متهورون مصرون على اتباع شهواتهم المنحرفة: أن نبيًّا مِن أنبياء الله يعظهم وينهاهم فلا يستجيبون لنصحه! ويحذرهم مِن غضب الجبار وعذابه الأليم فلا يكون جوابهم إلا جهلًا وطيشًا، وعدوانًا وإسرافًا في الكفر (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) (العنكبوت:29-30).

وفي زماننا هذا فإن هذه الفاحشة، وهذا الشذوذ يجتمع على نبذه وتحريمه غالب الأديان "والعقلاء مِن الناس"، كما أن العلم الصحيح يؤكِّد أن هذه الفاحشة ومخالفة الفطرة هي السبب الأكبر والأساس لكثيرٍ مِن الأمراض "وعلى رأسها: الإيدز"؛ فضلًا عن مخالفة هذه الفاحشة حتى لنظرية التطور الإلحادية، إذ لا يمكن أن تستمر الحياة مع الشذوذ! وبرغم كل هذا فإن شياطين الإنس والجن يسعون -وبكل قوة!- لشرعنة هذا الباطل وفرضه على البشرية كافة، وتزويقه وتجميله برغم كل قبائحه ونتانته، ومفاسده ومضاره؛ عنادًا وإسرافًا!

ومن العِبر المهمة مِن هذا التاريخ المظلم لهذا الزمان: ملاحظة الدعاة والآباء والأمهات لتحذير النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا مِن مبالغة سفهائنا نحن المسلمين في تقليد فواحش الكفار والملحدين في نهاية الزمان في قوله العام: (لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ) (متفق عليه)، وهناك أحاديث أخرى تنص على متابعتهم في الفواحش المستبشعة أيضًا.

والواقع في بلاد الإسلام اليوم يتطابق مع هذه الأخبار الغيبية للنبي -عليه الصلاة والسلام-، فبعض أبناء المسلمين يطالب بإباحة الفواحش والشذوذ والإباحية المطلقة؛ فضلًا عمّا نراه مِن العري الفاضح والتبرج الصارخ حتى إن الحجاب الذي ترتديه كثير مِن الشبابات أصبح بذاته مِن التبرج والعري! ولعل القادم مِن التبعية والتقليد سيكون أسوأ!

وهذا يستوجب مِن الدعاة تكثيف الجهود بالوقاية والتوعية للقطاعات التي لم تتلوث بعد، والتركيز على الشرائح المصابة بخطابٍ دعويٍ يجمع بيْن الموعظة والزجر، ومخاطبة ما بقي مِن عقلٍ بمخاطر هذه الفواحش والشذوذات.