صلاح عبد المعبود - مرتبة الإحسان - بوابة الفتح الالكترونية
صلاح عبد المعبود
2019-01-06 14:53:08

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالمسلم هو مَن أسلم وجهه لله وانقاد لأمره، فأطاعه وأخضع نفسه وجوارحه للخالق العظيم -جلَّ شأنه-.

وإذا دخل الإيمان إلى قلب هذا المسلم جعل معه قوة دافعة؛ إذ المؤمن أمره كله له خير، ولا معنى لإيمانٍ بلا عمل صالح، فهو يؤمن بالله ربًّا، وبأنه خلق الملائكة وهم موكلون بأعمال أودعها لهم، ولا يعصون الله، بل يفعلون ما يؤمرون، وأنه -تعالى- أرسل الرسل بالكتب السماوية لصلاح أمر البشر، ولكي يعلّموا الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، والمؤمن يعتقد أيضًا بأن هذا العالم له نهاية، وأن كل شيء هالك إلا وجه ربه الكريم، وأنه -تعالى- يبعث الناس ليومٍ لا ريب فيه فيحاسبهم على ما قدَّموا، ويثيب المحسن على إحسانه ثم يضاعف له الأجر، ويجازي الذين أسرفوا على أنفسهم بما يستحقونه مِن العقاب، ويعتقد المؤمن أخيرًا بالقدر خيره وشره.

وإذا ما ارتفعت درجة المؤمن إلى مرتبة فوق هذه فقد بلغ درجة الإحسان، وهي أن يعبد ربه -جل شأنه- وكأنه يراه في كل لحظةٍ مِن حياته، وهو بهذه المنزلة يبلغ درجة رفيعة مِن السمو الإنساني؛ لأنه يعلم يقينًا بأن الله مطلع على سريرته وناظر إليه في كل وقتٍ وحينٍ، فيبتعد بنفسه عن سلوك مزالق النفس البشرية، ويسعى جاهدًا لتطهير قلبه مِن أدران هوى النفس؛ ذلك لأنه على علم بأن الله -تعالى-: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19)، وأنه -تعالى- لا ينظر إلى مظهر المرء وما يرتدي مِن ثيابٍ وما يسكن مِن قصور، وإنما ينظر إلى القلوب وما تحويه مِن المكنونات، وعندها تظهر للمؤمن الحقيقة الخالدة (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10).

وهذا الذي بلغ مرتبة الإحسان وقد وعى جيدًا أن كل كلمة ينطق بها محاسب عليها: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق:18)؛ إذ إن هناك ملكين عن يمينه وعن شماله يحصيان عليه كل صغيرة أو كبيرة ليشاهد ذلك اليوم الذي يُنادى فيه: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) (الإسراء:14).

هذا الذي أصبح في هذه المنزلة الرفيعة مِن حياة البشر يتصور دومًا أن الله معه في كل حالٍ مِن أحواله وناظر إليه وشاهد عليه، ومَن كان الله معه فلا يَخاف ظلمًا ولا هضمًا، وهو على يقينٍ أن الأمة بأجمعها لو اجتمعتْ على أن يضروه بشيءٍ لا يصل إليه منهم ما لم يكن الله قد كتبه عليه؛ فلا يخشى أحدًا إلا الله، وإذا استعان طلب العون مِن خالقه -جلَّ شأنه- حتى إذا خرج في طلب الرزق علم حقًّا أن له ربًّا هو الرزاق ذو القوة المتين.

وهذا الذي كان في منزلة الذين أحسنوا إلى أنفسهم، وإذا ما أصابته داهية أو حزبه أمر مِن الأمور فزع إلى الصلاة؛ يناجي ربه، ويطلب منه التوبة والمغفرة تكفيرًا لذنوبه، وتفريجًا لما ألمّ به مِن الكربات، وهو بهذا صابر شاكر، يصبر على ما يصيبه؛ لأنه يعلم أن الصبر نصف الإيمان، وإنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، وشاكر لله على ما يصيبه؛ إذ هو ابتلاء واختبار، وهو إذا شكر الله على ما يصيبه مِن بلاءٍ ادخر الله له ذلك ليومٍ يعض فيه الظالم على يديه!

وأن هذا الذي دخل في منزلة يغبطه عليها الآخرون -وهي الإحسان- قد عرف منزلته في الحياة الدنيا، ورحم الله امرأً عرف أنه عبد لله، وعليه أن يؤدي حق العبودية لخالقه -جلَّ شأنه-، وهو بهذا يكرم نفسه ويرفعها؛ لأنها لا تذل إلا إلى خالقها -سبحانه-، فيعيش عزيزًا كريمًا يُشار إليه بالبنان، وخشية الله هذه تحول بينه وبيْن ارتكاب الآثام والشرور؛ فيعيش كريم النفس، صافي القلب كأنه النور الذي يشع على الآخرين، كيف لا وهو مصدر مِن مصادر الخير لمَن حوله مِن الناس؟! فهو دائمًا يدعو ربه أن يرزقه الخشية التي تحول بينه وبيْن المعاصي.

فنتوجه إلى الله جلت قدرته أن يرزقنا حقيقة الإيمان به، ويجعلنا في المرتبة التي أرادها لعباده الأصفياء، ويرزقنا الإحسان بأن نعبد الله وكأننا نراه، فإن لم نكن نراه فإنه يرانا.

كما ندعوه جلت قدرته أن يرزقنا خشيته ويحشرنا في عداد مِن عناهم بقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) (يس:11)، حتى نتجنب الدخول في المعاصي التي تغضبه.

والله من وراء القصد.