د. أحمد حمدي - (حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد حمدي
2019-01-09 14:48:25

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فما أن تلقى غالب الناس في مصر إلا ويشتكي مِن الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار، والتضخم، ويُحَّمِل الحكومة والدولة المسؤولية كاملة، ويطالبها بحلولٍ عاجلةٍ، وإن كانت الحكومة قطعًا تتحمل درجة كبيرة مِن المسؤولية مِن البذخ في الإنفاق، وعدم الترشيد في الإنفاق الحكومي، وكذلك عدم العدل في توزيع ثروات البلاد، وكذلك استشراء الفساد في معظم القطاعات.

ولكن في هذا المقال سأتناول الحلول التي بأيدينا، فلن يغير الله حالنا مِن الذل إلى العز، ومِن الفقر إلى الغنى حتى نغير ما بأنفسنا.

أنا لن أتكلم عن التقشف في المصاريف، وتقليل النفقات في الأمور الترفيهية وشراء الكماليات، والتقليل مِن الفواكه واللحوم، وكذلك تحمل الظروف الصعبة، كأننا في ظروف استثنائية، ولكن أتكلم عن الأموال التي تُنفق على ثلاثة أصناف فقط، ولستُ أقصد الحصر لكل مشاكلنا، ولكن هذا جزء مِن كل، وهذا ليس مِن طبقة الأغنياء فقط أو الطبقة المتوسطة فقط، ولكن من طبقه الفقراء ومحدودي الدخل.

أولًا: الإنفاق على المخدرات باختلاف أنواعها سواء الحشيش والبانجو، والترامادول والبودرة، وغيرها… يتجاوز المائة مليار جنيه مصريًّا؛ علاوة على ما ينتج عن الإدمان مِن الحوادث والقتل، وتعطيل الإنتاج والعمل والأموال التي تُنفق على العلاج.

ثانيًا: ما يُنفق على المكالمات الهاتفية وباقات النت وأنواع الموبايلات التي تصل لعدة آلاف لكل فرد مِن أفراد الأسرة، وغالب هذه الاستخدامات غير ضرورية يتجاوز ١٥٠ مليار جنيه.

ثالثًا: التدخين: ٨٤ مليار سيجارة سنويًّا، أي: ٤,٢ مليار علبة، ما يقارب ١٢٠ مليار جنيه مصريًّا علاوة على التدخين السلبي والأمراض الناتجة عن التدخين، وما يُنفق على علاجها، وكذلك ضعف وتعطيل الإنتاج بسبب هذه الأمراض.

نحن نتكلم عن قرابة ٤٠٠ مليار جنيه، ما يعادل تقريبًا سد عجز الموازنة العامة لمصر أو يتجاوز دعم الخبز والكهرباء، والوقود، والسلع التموينية، وكذلك يتجاوز قرض صندوق النقد الدولي ١٢ مليار دولار، ١٨ =  ٢١٦ مليار جنيه مصريًّا.

وهذا مِن الباب الاقتصادي، غير المخالفات الشرعية في مثل هذه الأمور سواء التدخين أو الإدمان للمخدرات والمسكرات، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ )  (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) (متفق عليه)، وهذا غير الاستخدامات السيئة لباقات النت مِن مطالعة المواقع الإباحية، ومواقع الإلحاد، وتضييع الأوقات، والسب والشتم والسخرية، والجرأة على العلماء، ونشر الإشاعات والأكاذيب.

فهل نتحمل المسؤولية ونجاهد أنفسنا قْبل أن نطلب التغيير والحل مِن النظام أو مِن غيرنا؟! قال -تعالى- (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)؛ فلنحذر مِن السفه والتبذير والإسراف، وأن نقول ما لا نفعل!

وأتعجب مِن استمرار نفس الطريقة في تجهيز العرائس بالمبالغات، والمظاهر الجوفاء والشكليات، وطريقة عمل الأفراح في القاعات، غير المخالفات مِن الاختلاط المشين والعري والغناء، وانتشار ظاهرة الكافتيريات والمقاهي، ومحلات البلاي ستيشن، ومحلات الأزياء وفساتين العرائس، والنفقات غير الضرورية.

فكيف يشكو شعب مِن الفقر والجوع مع التناقض الشديد في تصرفاته، غير مبارزة الله بالذنوب والمعاصي واستجلاب غضبه وسخطه، بدلًا مِن بثِّ الشكوى إلى الله، والدعاء والتضرع، والافتقار والانكسار لله، والتوبة والاستغفار؟! قال -تعالى-: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النمل:46)، وقال -تعالى-: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا… ) (الأنعام:43).

فاللهم اهدِ قومنا إلى رشدهم، وإلى ما ينفعهم ويصلحهم في الدنيا والآخرة.