نور الدين عيد - التوازن العلمي بين الأصول والنقول (1) - بوابة الفتح الالكترونية
نور الدين عيد
2019-03-10 17:08:02

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

فإن قضية مرجعية الاستدلال والحجية باتت في مقدم المعارك السنية البدعية الواقعية، كما هي على مرِّ العصور مسألة تمايز بيْن السنة والبدعة، بل والحق الذي لا باطل فيه والباطل المختلط بحق، فالأصل الذي بني عليه دين المسلمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59)، (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (النساء:80).

وقد تواترت الأدلة بمرجعية الكتاب والسُّنة كأصلٍ للتشريع والبناء العلمي؛ فليس ثمة علم نافع يُنسب للشرع إلا مِن قِبَله، وغلط مَن نسب علمًا للشرع لا يشهد له الوحي، كالكلام والمنطق والفلسفة والتجربة والرؤى والحكايات.

حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "الكتاب والسُّنة والإجماع -وبإزائه لقومٍ آخرين المنامات والإسرائيليات والحكايات- وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا، ويعرف بالكتاب والسُّنة والإجماع، وأما ما لم تجئ به الرسل عن الله؛ أو جاءت به، ولكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به ففيه الحق والباطل؛ فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: للكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه واجب الاتباع لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحدٍ الخروج عن شيءٍ مما دلت عليه، وهي مبنية على أصلين:

أحدهما: أن هذا جاء به الرسول.

والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه، وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق، وقد دخل في بعض ذلك طوائف مِن المتكلمة والمتفلسفة والمتأمرة والمتصوفة، إما بناءً على نوع تقصير بالرسالة، وإما بناءً على نوع تفضل عليها، وإما على عين إعراضٍ عنها، وإما على أنها لا تقبل إلا في شيء يتغير كالفروع -مثلًا- دون الأصول العقلية أو السياسية أو غير ذلك مِن الأمور القادحة في الإيمان بالرسالة" (مجموع الفتاوى).

وقال -رحمه الله-: "معلوم وجوب تقديم النص على الرأي، والشرع على الهوى؛ فالأصل الذي افترق فيه المؤمنون بالرسل والمخالفون لهم: تقديم نصوصهم على الآراء وشرعهم على الأهواء، وأصل الشر مِن تقديم الرأي على النص، والهوى على الشرع؛ فمَن نوَّر الله قلبه فرأى ما في النص والشرع  من الصلاح والخير، وإلا فعليه الانقياد لنص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وشرعه ، وليس له معارضته برأيه وهواه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: إني رسول الله  ولست أعصيه، وهو ناصري،  فبيَّن أنه رسول الله، يفعل ما أمره به مرسله، لا يفعل مِن تلقاء نفسه، وأخبر أنه يطيعه لا يعصيه" (منهاج السُّنة).

وقال في (فصل في التمسك بالنص، وهو الكتاب والسنة): "اعلم أنه كان ينبغي تقديم النص على سائر الأدلة كما هو الواجب، وكما هو عادة أهل العلم. والنص له معنيان: أحدهما: القول الدال على معناه على وجه لا تردد فيه، وهو خلاف الظاهر والمجمل. والثاني: هو مطلق دلالة القول، سواء كانت قطعية أو ظنية، فيدخل فيه القاطع والظاهر، وهو مراد هؤلاء، وهو المشهور في ألسنة السلف" (تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل).

فيبرز هذا الأصل كمنهجٍ لا يقبل الخلاف في مرجعيته والاستدلال به مقدمًا وحاكمًا، مصححًا ومبطلًا؛ فلا حكم يثبت إلا مِن جهته، وتفرع عنه سائر أدلة الأحكام المعتبرة.

وللحديث بقية بعد هذه التوطئة.

والحمد لله رب العالمين.