وليد شكر - الفوائد الحسان مِن رحلة سلمان -رضي الله عنه- (3) - بوابة الفتح الالكترونية
وليد شكر
2019-03-11 22:41:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال سلمان -رضي الله عنه-: "فكنتُ معه على مثل حال صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت مثل صاحبه، فقال: والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا فلانا بنصيبين (بلدة على حدود تركيا)، فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين، فكنت معه على مثل حال صاحبه حتى حضرته الوفاة فقلت مثل صاحبه، فقال: والله ما أعلم رجلًا على مثل ما كنا عليه إلا فلانًا بعمورية فكنت معه على مثل حال صاحبه حتى حضرته الوفاة، فقلت مثل صاحبه فقال: والله ما أعلمه أصبح على ما كنا عليه أحد مِن الناس آمرك أن تأتيه، ولكنه قد أظلك زمان نبي".

وهنا فائدة:

إذا علم الله مِن العبد الصدق أعطاه ما يرجو وما يريد، بل وفوق ما يريد، فكان مراد سلمان مِن كل هذه الهجرات وجميع هذه الرحلات أن يحظى بمصاحبة رجل صالح على بقية مِن دين عيسى -عليه السلام- يعلمه مما معه، فأعطاه الله فوق ما تمنى بان هيَّأ له صحبة نبي، وبيْن هذا وذاك مِن الفرق في العلم والهدى كما بيْن السماء والأرض، فمِن مصاحبة رجل على بقيةٍ مِن دين عيسى إلى مصاحبة نبي يأتيه وحي السماء، أفضل الخلق وخليل الحق، وخاتم النبيين -عليه الصلاة والسلام-.

- قال له صاحب عمورية: ولكن قد أظلك زمان نبي هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب"، وأعطاه وصفه، فانطلق مع ركبٍ فباعوه في الطريق عبدًا، وذهبوا به إلى المدينة.

- وهنا فائدة:

تُرى بأي شيءٍ كان يحلم سلمان وهو في طريقه إلى مكة؟!

لا شك أنه كان يفكر في أول لقاءٍ له مع النبي ثم في صحبته له بعد إيمانه به، وما سيجده عنده مِن العلم والهدى، وما أنعم الله به عليه مِن النعم؛ إذ هيأ له هذه الصحبة لنبي مِن الأنبياء، وبينما وهو في هذا الحلم الجميل إذ به يصحو على واقعٍ مخالفٍ تمامًا لما كان يفكر به، وهو أنه أصبح عبدًا وليته في المكان الذي سيظهر فيه النبي، بل في مكانٍ آخر وعند قومٍ مِن اليهود!

تُرى ما هو الشعور الذي يسيطر الآن على سلمان -رضي الله عنه-: هل هو الإحباط أم اليأس أم الشعور بأنه محروم مِن هذا الخير الذي كان يفكر فيه ويعيش تفاصيله؟!

 نعم أيها الأحبة، إنه الشعور نفسه الذى يسيطر علينا عندما نعيش حالًا معينة نؤمِّل فيها واقعًا أحسن، وحياة أفضل ثم نفاجأ أن هذا كله كان سحابة صيف سرعان ما انقشعت فيتبدد الحلم ويتغير الواقع، وننسى حينها كثيرًا أن هذه الحال التي صرنا إليها ونحن في ضجر منها قد تكون رحمة ومنحة لا حرمانًا ولا محنة، تمامًا كحال سلمان، فعند التأمل تجد أن الله لم يحرم سلمان، بل رحمه ولم يمنعه، بل أعطاه؛ لأنه لو وصل إلى المكان الذى يقصد والبلد التي يريد لكان مصيره كمصير غيره مِن الضعفاء والغرباء الذين فتنتهم قريش عن دينهم كعمار الذي نطق بكلمة الكفر مكرهًا، وسمية التي ماتت بطعنة، وبلال الذي عانى ما عانى في رمضاء مكة.

فما تظنه حرمانًا ومنعًا ومحنة قد يكون في الحقيقة رحمةً وعطاءً (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء:19)