أحمد مصطفى أبو عطا - للنوايا أحوال! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

يقول أحدهم: إنه كان وهو طفل صغير يركل الحجارة بقدمه في الطريق، فرآه شيخ كبير يفعل ذلك، فدعا له ظنًّا منه أنه يميط الأذى عن طريق الناس، فصارت بعد ذلك عادةً له أن يُميط الأذى عن طريق الناس محتسبًا الأجر مِن الله!

أحيانًا تكون النيةُ في بدايةِ العمل لغير الله فتتحول إلى الله -سبحانه- بكلمةٍ إيجابيةٍ (تحفيز، دعاء، نصح، أو حتى مال، إلخ).

يُقدِم أحدهم بادئ الأمر على طاعة، أو يدع معصية حياءً مِن الناس، ثم تصير عادةً له، يألفها ويفعلها لوجه الله؛ لذلك شرع الله -مثلًا- سهم المؤلفة قلوبهم، تثبيتًا لأولئك الذين قد يكون لديهم اهتزاز في إيمانهم في بادئ الأمر بعد نطق الشهادتين، أو لتأليف قلوب بعض وجهاء الكفار رغبة في إسلامهم، وإسلام مَن مثلهم ومَن تبعهم.

بل إنك تجد كثيرًا ممَن أسلم على زمان النبي -صلى الله عليه وسلم- لعله أسلم بادئ الأمر اتباعًا لشيخ قبيلته أو لسيده أو حميةً لقومه، وقَبِل منهم النبي ذلك في الظاهر، ووَكل نيَّاتِهم إلى الله، على اعتبار أن ذلك أدعى أن يسمع كل منهم ويعيَ ما يصلحُ نيَّته ويثبتُه على دينه بعد ذلك.

ولعلك تعلمُ قصة إسلام حمزة بن عبد المطلب لما بلغه سبُّ أبي جهل للنبي، فأتاه وشَّج رأسه، وقال: "تسبُّ محمدًا وأنا على دينه؟!".

ولم يكن أسلم قبلها، لكنها حميةٌ لابن أخيه، والله يسبب الأسباب، ثم أقبل على النبي فتثبت على الدين، وصار سيد الشهداء!

وهذا أبو سفيان يوم فتح مكة يسلم بعد أن خاف مِن جند الله الذين مع النبي، ثم يصير مِن خدام هذا الدين المجاهدين في سبيل الله.

وفي اللاحقين... قال أبو حامد الغزالي: "مات والدي وخلف لي ولأخي شيئًا يسيرًا، فلما فنيَ وتعذَّر القوتُ علينا صرنا إلى بعض الدروس مُظهرين لطلب الفقه، وليس المرادُ سوى تحصيلِ القوت، وكان تعلُّمنا العلمَ لذلك لا لله، فأبى أن يكون إلا لله!".

حينما خاطبتُ سائقَ الأجرة -بهدوء- أن يكف عنَّا الأغاني، أجابني أنه لن يغلق المذياع؛ لأنه لا يودُّ أن يفعل ذلك مِن أجل إنكاري عليه حياءً مني، وإنما سيفعل ذلك مِن أجل الله وحده، لذلك لن يُغلق المذياع!

وهذا لو أبصر؛ لعلم أن الحياء مِن الله مطلوب شرعًا، لكن أحيانًا يكون الحياء مِن الناس وسيلة للتدرب على الحياء مِن الله، كما ورد في الحديث عَنْ سَعِيدِ بن يَزِيدَ الأَزْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ: أَوْصِنِي، قَالَ: (أُوصِيكَ أَنْ تَسْتَحِي مِنَ اللهِ كَمَا تَسْتَحِي مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ قَوْمِكَ) (رواه الطبراني والبيهقي، وصححه الألباني).

ولذلك فأنت لا تعلم كيف تصل إلى الله -سبحانه-، ولا مِن أي بابٍ تدخل عليه، فقد ترغم نفسك على الطاعة أو تفعلها حياءً مِن الناس، أو رغبةً في دنيا، ثم تسارع بتصحيح النية حتى يقبلها الله، فلا يقبل إلا الخالص له -سبحانه-.

 فأنت يا تارك الصلاة إذا دُعيت إليها فاذهب حتى لو لم تستطع استحضار النيةِ لله في البداية، ثم جدد نيتك في ذلك، وأنتِ يا مَن تلبسين الحجابَ حياءً من الناسِ لا تخلعيه بدعوى أنك منافقةٌ مثلًا، فإن ذلك مِن مداخل الشيطان، ولكن احملي نفسك على الطاعة حتى تستقيم نفسك عليها، وجددي النيةَ بالتَّعلم؛ تعلم خشية الله ومراقبته وحكمته، وأسمائه وصفاته.

وكذلك لا ينبغي لمَن رأى أحد العصاةِ يطيعُ الله رغبةً في التوَدُّد إلى أحد الطائعين -مثلًا- أن يسخر منه فيُعينَ عليه الشيطان؛ بدعوى أنه إنما أجاب إلى الطاعةِ طمعًا في دنيا، فإنه لا يدري ذلك المُنكِر أن تلك قد تكونُ بدايةً له في الطاعةِ، حينما يقتربُ فينهلُ، فيُبصرُ، فيهتدي.