محمود عبد الحفيظ البرتاوي - شهر رجب... مفتاح أشهر الخير والبركة - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال معلى بن الفضل -رحمه الله-: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلِّغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم".

فالواجب على العاقل أن يسعى دومًا في فكاك نفسه ونجاتها، وأن يطرقَ أبوابَ الخير، ويتعرض لنفحات رحمة الله -تعالى-، خصوصًا في مواسم الخير والبركة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ) (رواه الطبراني في الكبير، وحسنه الألباني).

وشهر رجب أحد الأشهر الحرم؛ فهو مِن الأزمنة التي لها حُرمة عظيمة عند الله، قال -تعالى-: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) (التوبة:36).

وإذا كان قبيح بالعبد أن ينتهك حرمات الله ويعصيه في أي وقتٍ؛ فإن ذلك يزداد قبحًا وسوءًا في الأزمنة الفاضلة (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).

وشهر رجب بداية لأعظم نفحات الخير ومواسم الرحمة (وهو شهر رمضان المبارك).

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة، قال أبو بكر الوراق البلخي: "شهر رجب شهر للزرع، وشعبان شهر السقي للزرع، ورمضان شهر حصاد الزرع. وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل القطر. وقال بعضهم: السَّنة مثل الشجرة، وشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها" (لطائف المعارف).

فمَن أراد حصادَ خيرٍ في رمضان؛ فلابد وأن يبدأ الزرع والغرس في شهر رجب، وأن يتعاهد ذلك في شهر شعبان، وإن مِن سعادة العبد أن يعرفَ شرف الأزمان، فيقبِل فيها على طاعة الرحمن -عز وجل-.

وقد اشتهر عند الكثيرين فضيلة الإكثار مِن الصيام في شهر رجب:

فأما الصيام في أوله؛ فلا حرج في أن يصوم الإنسان مِن غرة الشهر العربي عمومًا؛ لحديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لرجل مِن أصحابه: (هَلْ صُمْتَ مِنْ سِرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا)؟ -يَعْنِي: شَعْبَانَ- قَالَ: لاَ. فَقَالَ لَهُ: (إِذَا أَفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ) (متفق عليه).

وكذا صيام ما ورد في السُّنة: مِن صيام الاثنين والخميس، وأيام البيض الثلاثة، أو صيام كان يعتاده الإنسان فيصومه؛ أما ما سوى ذلك مِن تخصيص شهر رجب بالصيام، فهذا لا دليل عليه؛ فلا يشرع تخصيصه بالصيام دون غيره؛ لعدم ثبوت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل الذي ثبت في السُّنة استحباب الإكثار من الصيام في شهر شعبان؛ لأنه شهر بين رجب

فينبغي في هذا الشهر الحرام أن يعمِّر المسلم هذا الزمان بالتوبة والاستغفار، والابتعاد عن الآثام، وأن يكثر مِن الذكر وتلاوة القرآن، وألوان النوافل والطاعات (فضلًا عن المحافظة على الواجبات)؛ استعدادًا لاستقبال شهر رمضان المبارك.

فيا مَن سوَّد صحيفته بالذنوب جدير بك أن تبيضها بالتوبة في هذا الشهر.

ويا مَن ضيَّع عمره في البطالة؛ اغتنم فيه ما بقي مِن العمر.

نسأل الله -تعالى- أن يبلغنا رمضان، وأن يبارك لنا فيه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.