جابر عبد الوهاب - سخيمة القلب وسوء عاقبتها - بوابة الفتح الالكترونية
جابر عبد الوهاب
2019-04-20 18:37:23

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اما بعد؛

فكان مِن دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

ومعناه: أن يخرج الله وينزع مِن قلوبنا سواد القلب مِن الغل والحقد، والحسد والكبر، والشحناء والبغضاء، والطمع والهوى، وغير ذلك مِن أمراض القلوب ومفسداتها التي تستجلب أصنافًا مِن انتهاك حرمات المسلمين: كالتعدي على الأعراض والأموال والدماء.

أضف إلى ذلك: أشياء أخرى مِن الاتهامات بالزور والبهتان وأخذ الحقوق، والاستهزاء والسخرية، وتنفير الناس من بعضهم البعض، ولا سيما تنفيرهم من العلماء والدعاة والمصلحين؛ كل هذا وغيره يقع بسبب سخيمة القلب وسواد الصدر ومرض النفس.

ولا سبيل إلى إصلاح الأمة زرافاتٍ ووحدانًا، وجماعات وأفرادًا؛ إلا بالبدء بتهذيب النفس وإلزامها وتربيتها، على سلامة الصدر ونقاء النفس لكافة المسلمين؛ ولذلك كان مِن دعاء المؤمنين الصادقين الذي ذكره الله في معرض الثناء عليهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحشر:10).

ولذلك أيضًا: حذَّر الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- من مفسدات القلوب، وبيَّن سوء عواقبها، فقال: (لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا) وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ؛ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم). وذلك أنه لا تُنتهك الحرمات إلا بعد سواد القلب وفساده، أعاذنا الله وإياكم.

السلف... وسلامة الصدر:

قال سفيان بن دينار -رحمه الله-: "قلت لأبي بشير -وكان من أصحاب علي رضي الله عنه-: أخبرني عن أعمال مَن كان قبلنا، فقال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا! قلتُ: ولِمَ ذلك؟ قال: لسلامة صدورهم!".

وعن زيد بن أسلم قال: "دُخل على أبي دجانة -رضي الله عنه- وهو مريض، وكان وجهه يتهلل، فقيل له: ما لوجهك يتهلل؟ قال: ما مِن عملي شيء أوثق عندي مِن اثنين؛ أما أحدهما: فكنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وأما الأخرى: فكان قلبي سليمًا للمسلمين".

وهذا إمام أهل السُّنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وقد أوذي وسجن وعذّب عذابًا شديدًا، لكنه بعد تلك المحنة يصفح عن كل مَن أساء إليه، فيقول لأحدهم: "أنتَ في حل، وكل مَن ذكرني في حل، إلا مبتدع، وقد جعلت أبا إسحاق في حل" يعني المعتصم أمير المؤمنين، رأيت الله يقول: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) (النور:22)، ويقول: وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟!".

شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

فقد كان له مواقف عجيبة مِن أعدائه وخصومه، حيث صفح عنهم وعفا قائلًا: "لا أحب أن يُنتصر مِن أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعدوانه، فإني قد أحللتُ كلَّ مسلم، والذين كتبوا وظلموا فهم في حلٍّ مِن جهتي".

مَن هو سليم الصدر؟

ليس الأبله المغفل، ولا الضعيف الذي لا يستطيع ردّ الشر بمثله عجزًا منه، وإنما صاحب الصدر السليم هو مَن يقدر على رد وردع المعتدي سواء باليد أو اللسان، ولكنه يترك ذلك؛ لأنه خير له عند ربه، فيدع ذلك التزامًا بهدي نبيه -صلى الله عليه وسلم- مع المسيء مع قدرته الكاملة عليه، ويتنزه عن ذلك تهذيبًا لنفسه ورقيًّا بخلقه.

وأخيرًا: إذا كان المسلمون كافة مطالبون بسلامة الصدر، فإن أولى الناس بالالتزام بهذا المبدأ العظيم هم العلماء والدعاة والعاملون في حقل نشر الإسلام وآدابه وتعاليمه، وإلا لخسر العمل الإسلامي الكثير.

وصلى الله على محمدٍ، وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا.