د. أحمد فريد - يا أمة الإسلام... عودوا إلى القرآن (3) - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2019-04-22 19:58:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "مَن سره أن يعلم أنه يحب الله، فليعرض نفسه على القرآن، فإن أحب القرآن، فإنه يحب الله، فإن القرآن كلام الله"، وكان -رضي الله عنه- يقبِّل المصحف ويقول: "كلام ربي، كلام ربي".

وقال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-: "لو طهرت قلوبكم، ما شبعت من كلام ربكم".

فكلما سلم القلب مِن أمراض الشبهات والشهوات ازداد حبه للقرآن، فلا يكل ولا يمل مِن سماعه وتلاوته، فيسمع القرآن وهو ينام، وهو في سيارته، وهو في طريقه، وفي حله وترحاله، ويشتاق إلى سماعه لو مكث وقتًا وهو محروم من سماعه أو تلاوته، ويكون أسعد أوقاته وقت الورد القرآني، ومن السهل اليوم أن يجعل القرآن بأندى الأصوات وأطيبها على هاتفه المحمول؛ فلا يفارق سماعه في ليله ونهاره، وكلما ازداد سماعًا للقرآن ازداد حبًّا لله -عز وجل-، وحبًّا للقرآن، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال:2)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (التوبة:124-125).

وانظر إلى حب النبي -صلى الله عليه وسلم- للقرآن، وهو أعلمهم بالله وأشدهم له خشية؛ كان يقوم بالقرآن حتى تتورم ساقاه، وتتفطر قدماه، حتى أشفق عليه ربه -عز وجل- فنزل قوله -تعالى-: (طه . مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه:1-2)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قَالَ لِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اقْرَأْ عَلَيَّ) قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: (فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي) فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا) (النساء:41)، قَالَ: (أَمْسِكْ). فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. (متفق عليه).

واستمع -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي موسى الأشعري، وكان قد أعطي مزمارًا مِن مزامير آل داود، وقال -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى الأشعري: (لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) (متفق عليه).

فحب القرآن علامة على حب الله -عز وجل-؛ فلو أن لك شخصًا تحبه غاية الحب، وغاب عنك عشر سنين، ثم أرسل لك خطابًا، كم يكون فرحك به! تحمله في جيبك وتخرجه كل فترة تنظر فيه، لعلك تفهم منه شيئًا جديدًا، أو تقرأ ما بين السطور -كما يقولون-.

وقال ابن رجب -رحمه الله- في "مجموع الرسائل": "مَن أحب كلامه لم يشبع مِن تلاوته".

هداية القرآن:

قال الله -تعالى-: (ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) (البقرة:2).

قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "الحمد لله الذي أنزل على عبده الفرقان، الفارق بين الحلال والحرام، والسعداء والأشقياء، والحق والباطل، وجعله برحمته هدى للناس عمومًا، وللمتقين خصوصًا، مِن ضلال الكفر والمعاصي والجهل، إلى نور الإيمان والتقوى والعلم".

وقال -تعالى-: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء:9)، فكلما اقترب المسلم مِن القرآن يكون أقوم عقيدة، وأقوم أخلاقًا، وأقوم أحوالًا، وأقوالًا وأعمالًا.

فهداية القرآن في العقيدة أكمل هداية؛ فاسمع قوله -عز وجل-: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد) (الإخلاص)، وقوله -عز وجل-: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) (المؤمنون:91)، فانتظام أمر العالم يدل على أن إلهه واحد، فيستحيل أن يكون للكون إلهان، والأمور منتظمة، تسير بقوانين ثابتة، لا تتغير ولا تتبدل، وقال -تعالى-: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبيا:22).

ورد على شبهات النصارى فقال -تعالى-: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ . فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) (آل عمران:59-61).

وبيَّن القرآن أن العقيدة ليس فيها تنازلات ولا مداهنات، فأجاب على مَن أشار على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يعبدوا إلهه سنه، وأن يعبد آلهتهم سنه، فنزل فوله -عز وجل-: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (الكافرون).

والقرآن يهدي المؤمنين إلى تقوى الله -عز وجل-، والتقوى هي علم القلب بقرب الرب -عز وجل-، فالله -عز وجل- فوق سماواته، مستو على عرشه، بائن من خلقه، وهو قريب؛ لأنه -عز وجل- ليس كمثله شيء في ذاته أو صفاته، قال الله -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) (البقرة:186)، فاستشعار هذا القرب، هو تقوى الله -عز وجل-.