سعيد محمود - الثبات (9) عوامل الثبات (موعظة الأسبوع) - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-05-16 17:54:57

(5) كثرة الذكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

مقدمة:

- أمر الله بكثرة الذكر في أحلك الظروف والأوقات، بما يدل على أنه مِن أعظم أسباب الثبات: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال:45).

- الشيطان يعمل على تراجع المسلم عن الثبات إلى أن يكبه في النار، وكثرة الذكر مِن أعظم وسائل طرد الشيطان عن الإنسان: قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: (مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ) (الناس:4)، قال: "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سهى وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس"، قال ابن كثير -رحمه الله-: "وكذا قال مجاهد وقتادة" (تفسير ابن كثير).

- ولذا جاء الهدي النبوي يملأ حياة المسلم بالذكر في كل أحواله ليكون في حرزٍ دائمٍ مِن الشيطان، وفي ذلك تثبيت للإنسان: عن عائشة -رضى الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ" (رواه مسلمً).

- إشارة مختصرة إلى بعض الأذكار الموظفة: قال ابن الصلاح وغيره في قوله -تعالى-: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب:35): "الذي يملأ يومه بالأذكار الموظفة، كان مِن الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات". قلتُ: فكيف بمَن زاد بالأذكار المطلقة؟!

(1) الذكر أسهل العبادات ومِن أعظم وسائل الثبات:

- كبير السن وضعيف الهمة وكثير الشواغل يجد له بابًا للثبات وزيادة الإيمان في الذكر: عن عبد الله بن بسر أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنَّ أبواب الخير كثيرة، ولا أستطيع القيام بكلِّها؛ فأخبرني بما شِئت أتشبَّث به ولا تُكثر عليّ فأنسى. وفي رواية: إنَّ شرائع الإسلام قد كَثُرت عليَّ، وأنا قد كَبِرت؛ فأخبِرْني بشيء أتشبَّث به، قال: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- لا عذر في تركه الا إذا زال العقل: قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لم يفرض الله -تعالى- فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال العذر، أما الذكر فإنه لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، قال -تعالى-: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ)(1) (النساء:103)" (الوابل الصيِّب من الكلم الطيِّب لابن القيم).

(2) خطر الانقطاع عن الذكر:

- الذكر حياة القلوب، وبغيره لا قيمة للأبدان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت) (رواه مسلم).

- النهي عن المجالس الخالية من ذكر الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ قَوْمٍ يَقومونَ منْ مَجْلسٍ لاَ يَذكُرُون الله تَعَالَى فِيهِ إِلاَّ قَاموا عَنْ مِثلِ جيفَةِ حِمَارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)(2)، وقال -تعالى-: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) (النجم:29).

- أهل الذكر يخافون زلل المجالس فيشرع لهم الاستغفار والتطهر بعدها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

(3) مِن فضائل الذكر:

- ذكر الإمام ابن القيم في كتاب "الوابل الصيب من الكلم الطيب" سبعة وسبعين فائدة للذكر، نشير إلى سبعة منها، وننصح بالرجوع للكتاب.

1- كلماته يسيرة وأجورة كثيرة (أمثلة): قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ) قَالَ: (وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) (رواه البخاري).

2- الذكر روح العبادات، وبكثرته تتفاضل، بل ويتفاضل به أهل الطاعات: روي عن أنس الجهني عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فَقَالَ: أَيُّ الْجِهَادِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، قَالَ: فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا الصَّلَاةَ، وَالزَّكَاةَ، وَالْحَجَّ، وَالصَّدَقَةَ، كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذِكْرًا"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ- لِعُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ-: يَا أَبَا حَفْصٍ، ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- "أَجَلْ" (رواه أحمد والطبراني).

3- سبب اشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والباطل، والعادة شاهدة بأن اللسان إذا لم يشتغل بالطاعة شغل بالمعصية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي حديث يحيى بن زكريا قال: (... وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ في أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ الْعَبْدُ لاَ يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلاَّ بِذِكْرِ اللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

4- سبب تفريج الكروب، وتثبيت القلوب وطمأنتها(3): عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ: قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- حِينَ أُلْقِي فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (رواه البخاري)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:156-157).

5- يورث الذاكر ذكر الله له: قال -تعالى-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة:152)، وفي الحديث القدسي: (يقُولُ اللَّه -تَعالى-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعهُ إِذَا ذَكَرَني، فَإن ذَكرَني في نَفْسهِ، ذَكَرْتُهُ في نَفسي، وإنْ ذَكَرَني في ملإٍ، ذكَرتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ منْهُمْ) (متفق عليه).

6- سبب استجابة الدعاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلَاثةٌ لَا يَرُدُّ اللهُ دُعَاءَهُمُ: الذَّاكِرُ اللهَ كَثِيرًا، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَالْإِمَامُ الْمُقْسِطُ) (رواه البيهقي، وحسنه الالباني).

7- أنه غراس الجنة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (منْ قَالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبحَمدِهِ، غُرِستْ لهُ نَخْلَةٌ في الجَنَّةِ) (رواه البزار، وقال الألباني: صحيح لغيره).

خاتمة: قصة مؤثرة في فضل الذكر وأثره في حسن الخاتمة:

بدأت أحداث القصة في إحدى القرى في بيتٍ مِن بيوت الله بعد أن أُديت فريضة مِن فرائض الله، قام أحد الدعاة يُحدث المصلين عن فضل ذكر الله، لم يزلْ الشيخ متنقلًا بين آيات الكتاب الكريم وأحاديث السنة المطهرة وأحوال السلف الصالح لترغيب عباد الله في ذكره -سبحانه وتعالى-، والناس ينصتون إليه في لهفة وشوق إلى هذا الذكر الذي تعطشت له قلوبهم، وكان ممَن يجلس بين المصلين رجل كبير في السن أمي لا يقرأ ولا يكتب، قد أقبل بوجهه وقلبه على كلام الشيخ حتى بلغ الشيخ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ) (متفق عليه)، وما إن سمع هذا الحديث حتى حفظه عن ظهر قلب ووقع في نفسه أيما موقع حتى استقر في قلبه فطرد عنه كل داء، وبات الشوق إلى ذكر الله يخالج قلبه، فخرج الرجل مِن المسجد وهو يردد هذه الكلمات المباركات: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم)، ولم يزل كذلك حتى وصل بيته، فنادى في أهله: "إني لكم ناصح أمين"، أنتم هاهنا في لهو ولعب وكأنكم لم تسمعوا بما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-؟! قالوا: وما الذي أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فساق لهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ)، ثم أردف قائلًا: يا زوجتي ويا أبنائي ويا بناتي، أدركوا أنفسكم قبل فوات الأوان، هيا طهروا قلوبكم وثقلوا موازينكم بهاتين الكلمتين: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ)، فاستجاب أهله لندائه المشفق عليهم، ورطبتْ ألسنتهم بذكر الله.

وكان الرجل يخرجُ بعد صلاة العصر فيغشى الناس في أسواقهم ومجالسهم، يا قومي: هل أدلكم على ما ينفعكم؟ قالوا: نعم، فساق لهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ)، فلم يزل في قومه مُلحًا عليهم داعيًا إياهم إلى ترطيب ألسنتهم وتطهير قلوبهم بذكر الله -عز وجل-، فاستجاب له قومه وأهله، عاش الرجل مستمسكًا بهذا الذِّكر لم يكدْ لسانه يفتر عن تلك الكلمات المباركات لم يكن يقابل أحدًا إلا أقرأه حديث النبي الكريم ودعاه إلى ذِكْرِ الله، لقد امتلأ قلبه بنور هذا الذِّكر وفاض هذا الحب على لسانه، قد أراد هذا الرجل لكل مَن عرفه أن يشعر باللذة التي شعر بها، أراد للناس أن يأنسوا بذكر الله كما أنسْ، وتطمئن قلوبهم كما اطمئن قلبه، ومضتْ بِضْع سنين والرجل على حاله لا يغير ولا يبدل، كل من نظر إليه يتذكر من ساعته حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ) حتى إذا داهمه المرض وأُدخل المستشفى، وكان المرض قد أنهك جسده فلم يعد يقدر على شيءٍ غير أن لسانه لم يزل متلذذا بالكلمات المباركات: (سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ)، كان يدخل عليه الأطباء وفريق التمريض مِن العرب والعجم فينادي فيهم ويرغبهم في الذِّكر الذي اجتمع حبه في قلبه، حتى إذا جاءت اللحظات الأخيرة والطبيب عند رأسه، وكان طبيبًا من دولة عربية وعلى دين النصارى، فناداه: يا دكتور! قال الدكتور: نعم يا عم. قال الرجل: يا دكتور قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ). ثم فاضت روحه إلى بارئها! عندها ذُهل الطبيب ورقَّ قلبه، لقد شاهد الطبيب في حياته العملية حالات احتظار كثيرة غير أن هذه المرة لم تكن كسابقاتها، لقد مات الرجل المسن وهو يتحدث بكل ثقة وثبات وهدوء وبشاشة، لم يتردد الطبيب كثيرًا، فما هي إلا أيام وقد أخذ قراره الحكيم وشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله (ذكرها أحد طلبة العلم، وحكاها بعض الدعاة الثقات).

نسأل الله أن يجعلنا جميعًا مِن الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تأمل السياق والمناسبة، فإن الأمر بالذكر جاء بعد الانتهاء مِن صلاة الخوف في القتال؛ فكيف بمَن كان في أمن وسلام؟!

(2) ما أكثر هذه المجالس في هذا الزمان، والتي يحرص أصحابها على عدم ذكر الله (البرامج التليفزيونية - المحاضرات والندوات والمؤتمرات - مجالس كثير من التجار والبيوت - ...)، والحسرة في الحديث: الندم يوم القيامة الملازم لهم على ما فرطوا في مجلسهم هذا.

(3) ترى الذاكرين في أحلك الظروف راضين مطمئنين؛ لأن الذكر يبدل الخوف أمنًا، قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد:28)، أي: تسكن قلوبهم وتأنس بذكر الله.