أحمد يحيى الشيخ - إخلاص النية وأثره في حياة المؤمن - بوابة الفتح الالكترونية
أحمد يحيى الشيخ
2014-03-05 08:02:00

مما لا ريب فيه أن الأعمال والأقوال والأفعال - الاختيارية - التي يقومُ بها المكلَّفُ، يكونُ لها بواعث ومقاصد تحثُّ وتدفع إليها، ويندُرُ– أو ينعدم - في دنيا الناس أن تجدَ عملا مُجردًا هكذا  بلا نية، حتى الأعمال التي اعتاد الناسُ على فعلها والقيام بها؛ تجد لها بواعث كامنة في قرارات النّفس وإن لم يستحضرها الإنسان كلّ مرة –  حال قيامه بالفعل - .
ولما علم المؤمنون أن الدنيا دارُ تمحيصٍ وابتلاءٍ وليست دار خلودٍ أوبقاءٍ ؛ كانت الآخرة بالنسبة لهم هي المطلبُ الأسمى الذي يَسعون في تحصيله ويبذلون لأجله أنفس ما يملكون، من نفس وأهل ومال وولد، طامعين فيما عند الله تعالى في الآخرة، زاهدين في الدنيا مُتقللين من لذاتها وشهواتها غير مُنكبين عليها، فتقبل الله أعمالهم تلكَ بقَبُول حسنٍ وأبدلهم جنةَ الخلد ودارَ النعيم جزاءً بما كانوا يعملون .
ولما علم الشيطانُ ما لتوحيدِ القصدِ وإخلاصِ النية لمن ثواب عظيم عند الله تعالى في الدنيا ويوم القيامة ؛ عمل بكلّ جهده كي يُفسد على بني آدم نواياهم ويجعلها غيرَ خالصةٍ لوجه الله الكريم، قال تعالى :الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(البقرة: 268)"فإن هم أطاعوه في ذلك؛ فسدت أعمالهم وحبط ثوابها وضاع عليهم أجر الإخلاص الذي أعده الله لعباده المُخلصين .
من أجل ذلك، كان إخلاص النية لله من أشق الأمور وأشدّها على النفوس والقلوب ، قال سفيان الثوري أحد أكابر علماء هذه الأمة – رحمه الله تعالى - :"ما عالجتُ شيئا عليَّ أشد من نيتي، إنها تتقلبُ عليَّ " .
ولذلك كان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يكثر أن يقول في دعاءه : " يا مُقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"رواه البخاريّ ، فهذا هو رسول الله تعالى ، خاتم النبيين والمُرسلين، وأعلاهم منزلة وأكثرهم قربا من الله تعالى ، يسأل الله تعالى– جل في علاه – أن يثبت قلبه على الإيمان والتوحيد ، فما بالكبآحاد المُسلمين وهم جزما أقل من النبي صلى الله عليه وسلم رتبة ومنزلة !
إن التوجُّه إلى الله تعالى وقصد مرضاته لهو باب عظيم من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة ، السعادة التي هلكت في تحصيلها والوصول إليها أممٌ وأقوامٌ وأجيالٌ تلوَ أجيالٍ ، ولكن باءتْ محاولتهم بالفشل، لأنهم طلبوها من غير مظانها، لا كما أمرهم الله تعالى ، فظنوها في شهوات الدنيا ولذاتها الفانية، ففنيت أعمارهم ولم يشعروا بالسَّعادة الحقيقية !
 
تأمَّل قول الله تعالى : " مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةًوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" [ النحل 97 ]تجد أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين بالحياة الطيبة في الدنيا وحسن الجزاء في الآخرة شريطةأن يكون العمل صالحا ومعلومٌ أن العملَ لا يكون صالحا إلا إذا توفر فيه شرطان : الإخلاص والمتابعة .
فشرطٌ لقبول الأعمال عند الله تعالى أن تكون خالصة لوجهه لا يُراد بها إلا رضاه ونيل ما عنده من ثواب عظيم أعده الله لعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة ، ومهما أجهد الإنسانُ نفسه في عبادة من العبادات أو قربة من القربات، لا يريد بها وجه الله تعالى فهي حتما ولا بد مردودة عليه غير مقبولة، بل يأثم ويؤاخذ بها ويجازي بها في الدنيا ويوم القيامة، يقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة – رضي الله عنه - : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" !
قال النووي – رحمه الله - : " ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها ، فمن عمل شيئا لي ولغيري لم أقبله ، بل أتركه لذلك الغير . والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ، ويأثم به "
وقال – رحمه الله – في شرح قوله - صلى الله عليه وسلم - :" مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ ، وَمَنْ رَايَا رَايَا اللَّهُ بِهِ "  :  قال العلماء : معناه من رايا بعمله ، وسمعه الناس ليكرموه ويعظموه ويعتقدوا خيره؛ سمع الله به يوم القيامة الناس وفضحه . وقيل : معناه من سمع بعيوبه وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه ، وقيل : أسمعه المكروه ، وقيل : أراه الله ثواب ذلك من غير أن يعطيه إياه ليكون حسرة عليه، وقيل : معناه من أراد بعمله الناس؛ أسمعه الله الناس ، وكان ذلك حظه منه" .
 
فالذي يعلم هذا ؛ يدرك أنه لا نجاة للإنسان في هذه الدنيا ولا فوز في الآخرة إلا بإخلاص القلب لله وتوحيد القصد والعمل على تخليه القلب من الرياء والسمعة وحب الظهور والتطلع إلى ثناء الناس وجميل كلامهم ، بحيث يستوى عنده مدح المادحين وذم الذامّين كما قال الإمام عبد القادر الجيلاني – رحمه الله - : " كن مع الله بلا خلق، وكن مع الخلق بلا نفس " .
وقال ذو النون -  رحمه الله - :" ثلاثة من علامات الإخلاص : استواء المدح والذم من العامة ، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال ، واقتضاء ثواب العمل في الآخرة  "
 
إن الإخلاص لله تعالى في الأقوال والأفعال وسائر الأعمال الظاهرة والباطنة له أعظم الأثر على حياة الإنسان - فضلا عن الثواب الأخروي الذي هو أعظم وأجل- ، فهو يجعل المؤمن هادئا مطمئنا قرير العين، فقلبه مُعلقٌ بخالقه ، لا يتلفت إلى أحد سواه ، فلا يحبط عمله أو يجده يومَ القيامة هباءً منثورًا، كذلك تجده غير مُنشغلبالناس وكلامهم فيه ومدحهم وذمهم له سواءٌ كما قدمنا ، قال أبو محمد سهل بن عبد الله التستري رحمه الله : نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا : أن تكون حركاته ، وسكونه في سره ، وعلانيته لله تعالى وحده ، لا يمازجه شيء ، لا نفس ، ولا هوى ، ولا دنيا "
نسأل الله تعالى يرزقنا الإخلاص في القول والعمل ويرزقنا حسن الخاتمة يومَ نلقاه ، ويجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا ، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه. آمين .