د. علاء بكر - الفساد (18) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2019-07-07 18:39:23

صور من فساد رجال الأعمال في عهد مبارك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد انشغلت مصر في عهد مبارك بقضايا الاستثمار والمستثمرين، وما صاحبها مِن حكايات الفساد، وأخبار الصراعات بين رجال المال والأعمال مع بعضهم البعض، ومع أجهزة الدولة المصرفية والضريبية.

وقد ارتبط ذلك بإهدار الأصول الإنتاجية والموارد الاقتصادية وبيع أراضي الدولة بأبخس الأسعار وبطرق ملتوية، ووصل الأمر إلى شهود مكاتب التحقيقات وأروقة المحاكم بعض هذه القضايا ممَن تورط فيها البعض وفاحت رائحة فسادهم حتى زكمت الأنوف، بينما احتمى آخرون مِن رجال المال والأعمال بكبار قيادات ورجال النظام الحاكم والحزب الوطني الحاكم!

وقد حاول الكثيرون مِن الصحفيين والإعلاميين والمعارضين مِن النواب والمستقلين الوطنيين التصدي لهذا التيار الجارف، ولكن كانت جهودهم تصطدم دائمًا بشبكة الفساد الذي تغلغلت في كل مكان بما فيها الأجهزة الشعبية -كمجلس الشعب ومجلس الشورى- التي كانت تحت سيطرة الحزب الحاكم أو الأجهزة التنفيذية مِن الوزراء وكبار المسئولين، بل وصل الأمر إلى اختراق الأجهزة الرقابية والأمنية!

وقد كشفت العديد مِن التحقيقات في بعض القضايا بعد ذلك وجود سراديب خفية تربط في جرائم الفساد والنهب بين القاع وبين شخصيات كبرى في قمة أجهزة الدولة، بما يؤكِّد على أن المسألة ليست انحرافات فردية لرجال المال والأعمال مِن هنا أو هناك، بقدر ما هي منظومة جماعية تحميها قوانين ولوائح وقرارات يرعاها كبار رجال الدولة وقيادات الحزب الحاكم، غير مبالين بحالة الانهيار التي يسوقون الأمة إليها، والتي تؤثِّر تأثيرًا مدمِّرًا على أوضاع الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تأثيرها السلبي على القيم والأخلاق لدى الشباب والأجيال القادمة، منشغلين بما جمعوا مِن الأموال، مِن العمولات والسمسرة، ومن المضاربة في البورصة، ومن احتكار السلع والاستيلاء على أقوات الناس والتحكم في أسعار المنتجات، ومن التحكم في عمليات الاستيراد والتصدير، والسيطرة على توكيلات الشركات العالمية في الأسواق، ثم بعد ذلك تهريب المليارات مِن هذه الأموال إلى بنوك سويسرا وإنجلترا وفرنسا وإسبانيا وغيرها، والتي يصعب استردادها بسبب سرية الحسابات، أو تعقد الإجراءات والألاعيب التي تتبع في إخفائها وتحصينها والحفاظ عليها في أرصدة أصحابها، إلى جانب القيام بعمليات الغسيل لها، تاركين البسطاء والفقراء والمحتاجين مِن الشعب يسكنون العشوائيات والمقابر، ويتصارعون على أساسيات الحياة اليومية مِن رغيف العيش إلى أنبوبة البوتاجاز!

أموال ومدخرات المصريين تتحول للخارج:

قدرت الأموال الموجودة بالخارج والتي يملكها مصريون مع نهاية فترة الثمانينيات بنحو 160 مليار دولار، منها ما قام أصحابها بإيداعها في بنوك الخارج أثناء عملهم أو تواجدهم في الخارج، ومنها ما قد تم تهريبها من داخل مصر إلى الخارج تحت بصر وسمع المسئولين (راجع في ذلك: اقتصاديات الفساد في مصر: كيف جرى إفساد مصر والمصريين 1974م - 2010م، عبد الخالق فاروق ط. مكتبة الأسرة 2012 م - الهيئة العامة للكتاب، ص 131 - 133).

مسئوليات القطاع الخاص في الدولة:

يتولى القطاع الخاص في دول العالم في العصر الحاضر ثلاث مسئوليات مهمة، تتمثل في:

1- الدور التقليدي: المتمثل في الاستثمار والتنمية.

2- الدور التنافسي: بالمشاركة في عملية التطوير والتقدم التكنولوجي لمواكبة ومنافسة الآخرين، وإلا فاته قطار التقدم، وضاعت عليه فرص المنافسة والاستمرارية فيها.

3- الدور الاجتماعي: المتمثل في المساهمة والمشاركة في التنمية المجتمعية والتنمية البيئية، ولم يعد هذا الدور محدودًا ومقصورًا على التبرعات الفردية والمساهمات الاجتماعية بتشجيع أو طلب مِن الدولة، ولكنه تحول إلى إنشاء مؤسسات اجتماعية وخيرية، أي تعدى هذا الدور النمط الفردي إلى النمط المؤسسي المنظَّم، كما تنوعت أنشطته الاجتماعية مِن مجرد أنشطة تقوم على الرعاية إلى أنشطة تنموية أكثر فاعلية وتأثيرًا.

وبذلك انتقل دور القطاع الخاص الاجتماعي مِن الهواية إلى الاحتراف، وتحول مِن التبرع الخيري إلى درجة أعلى من الالتزام والمسئولية تجاه المجتمع.

ووجود التقصير في واحدة من هذه المسئوليات هو إخلال من القطاع الخاص في القيام بدوره في الدولة ومسئولياته تجاه المجتمع الذي يمارس أنشطته فيه.

احتكار الفرد أو القلة:

الاحتكار آفة من آفات الرأسمالية والليبرالية الاقتصادية، وفيه يسيطر فيها فرد -أو قلة من الأفراد- على تصنيع منتج -أو سلعة- في السوق وتسويقه وتوزيعه، بما يعطيه القدرة على التحكم في سوق هذا المنتج - أو السلعة- سواء بالتحكم في الكميات المعروضة في السوق، أو التحكم في سعره وتوجيهه، أو بالأمرين معًا، بما يؤدي إلى أضرار اقتصادية ومالية ببقية العاملين في السوق والمستهلكين من ناحية، ويؤدي إلى معدلات أرباح كبيرة تؤثِّر سلبًا على بقية قطاعات الإنتاج والاستهلاك من ناحية أخرى، مع وجود -أو وضع- الحواجز والمعوقات أمام الآخرين التي تمنع المشاركة في إنتاج نفس المنتج والمنافسة عليه!

والمنافسة الحرة المبنية على الشفافية والحيادية هي السبيل القويم للازدهار والتقدم الاقتصادي، وهي تستدعي وجود عددٍ كبيرٍ مِن المنتجين لنفس المنتج أو السلعة، بما يعني عدم قدرة أحدهم على التحكم في سعر المنتج -أو السلعة- أو توجيهه، فيبقى السعر محكومًا بالعرض والطلب، وبالسعر الذي يرتضيه المشتري ويأخذ المنتج -أو السلعة- به، وحول هذا السعر يكون تنافس المنتجون، مع بقاء السوق مفتوحًا حرًّا بلا معوقات أمام مَن يريد أن يدخل دائرة هذه المنافسة أو يخرج منها.

ولأهمية منع الاحتكار وإيجاد السوق المفتوحة أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية -وهي في مقدمة الدول الرأسمالية- منذ نهاية القرن التاسع عشر قوانين لمنع الاحتكار وضمان المنافسة الحرة.

صورة مِن صور الاحتكار في حماية السلطة في عهد مبارك:

بدأ صاحب هذه الصورة بداية متواضعة، حيث بدأ صعوده في تجارة الحديد، ثم توجَّه في منتصف الثمانينيات إلى صناعة الحديد، وقد تمتع نشاطه الاستثماري منذ عام 1989م بإعفاء ضريبي لمدة عشر سنوات مثله مثل بقية رجال المال والأعمال في ذلك الوقت، وطبقًا للمزايا الممنوحة لهم مع بداية سياسة الانفتاح التي انتهجها السادات بعد عام 1974م، وقد قُدِّرت أرباح الرجل في هذه السنوات العشر بنحو 15 مليار جنيه، لم تسدد عنها ضرائب للخزانة العامة، مقابل الاستفادة مِن كل المزايا الجمركية والتسهيلات الائتمانية والسعر المتدني لمصادر الطاقة مِن الكهرباء والغاز الطبيعي والسولار والمازوت وغيرها (راجع: اقتصاديات الفساد، ص 141-142).

وقد بلغت شركات الرجل:

- امتلاك حوالي 90% مِن أسهم مصانع الدرفلة التي تأسست عام 1986م مستفيدة مِن قانون الانفتاح، وعدل مِن أوضاعها بعد انتهاء فترة الإعفاء الضريبي لتستفيد مِن قانون الاستثمار الجديد عام 1997م.

- امتلاك حوالي 75% مِن أسهم شركة لصناعة الصلب المسطح، تأسست عام 1998م بنظام المناطق الحرة، مستفيدة مِن قانون الاستثمار الجديد لسنة 1997م.

- امتلاك نحو نصف حصة شركة الدخيلة للحديد والصلب بالإسكندرية، التي تأسست عام 1982م، وكانت من ممتلكات قطاع الأعمال العام، ثم عرضت للخصخصة في عام 1998م، حيث بلغت حصته فيها في نهاية عام 2007م حوالي 53.5 %، انخفضت بعدها فبلغت نحو 50%.

صناعة الحديد والصلب في مصر:

تعمل في صناعة الحديد والصلب في مصر 19 شركة، منها شركتان في القطاع العام، جرى إعسار إحداهما، وهي شركة الدخيلة للحديد والصلب بالإسكندرية، وعرضت للبيع في التسعينيات، والثانية تواجه بظروف تدفعها نحو الخصخصة.

وقد شهدت عملية خصخصة شركة الدخيلة للحديد والصلب بالإسكندرية تساؤلات عديدة برلمانية وغير برلمانية، قُوبلت بتجاهلٍ مِن المسئولين عن شركات القطاع العام، خاصة وأن صناعة الحديد والصلب في القطاع العام كانت رمزًا للنهضة الصناعية الحديثة في مصر في الخمسينيات والستينيات، حيث بدأت شركة القطاع العام الأولى (شركة الحديد والصلب المصرية) في عام 1955م بإنتاج قدره حوالي 250 ألف طن سنويا، ثم جرى تطويرها في مطلع الستينيات، بإدخال خط درفلة وحديد مسطح، وزاد إنتاجها عامًا بعد عام حتى قارب في الفترة الأخيرة نحو مليون طن سنويًّا، يتضمن أكثر مِن خمسين منتجًا متنوعًا مِن الحديد والصلب، وأنشأت شركة القطاع العام الثانية (شركة الدخيلة للحديد والصلب بالإسكندرية) في عام 1982م، وتعرضت للخصخصة في التسعينيات.

الاستحواذ على صناعة الحديد:

باستثناء شركة الحديد والصلب المصرية فباقي شركات الحديد والصلب في مصر حاليًا مملوكة للقطاع الخاص، حيث تستحوذ الشركات الخاصة على 90% مِن إجمالي إنتاج ومبيعات السوق، تكاد شركات "أحمد عز" أن تستأثر وحدها بحوالي 60% مِن الطلب المحلي، وأكثر قليلًا مِن الطلب الخارجي، كما تنفرد الشركة المملوكة للقطاع العام مع شركتين مملوكتين لأحمد عز بإنتاج الحديد المسطح (انظر المصدر السابق، ص 138).

وجاء في البيانات المختصرة المنشورة عن ميزانيات شركات أحمد عز الدالة على تأثير وضعه الاحتكاري على معدلات أرباحه: أن المبيعات خلال الستة أشهر الأولى من عام 2008م بلغت 1و11 مليار جنيه في مقابل 8 و7 مليار جنيه خلال نفس الفترة مِن العام السابق 2007م، بمعدل زيادة في قيمة المبيعات بلغت 4 و42 % (راجع المصدر السابق، ص 140).

قدَّم الرجل قائمة بميزانياته المجمعة والتفصيلية عن عامي 2001 م و2002م سدد عنها ضرائب بقيمة 200 مليون جنيه للسنة الأولى، و210 مليون عن السنة الثانية، ثم مع فحص دفاتر الشركة عن عامي 2003م و2004م ظهرت خلافات ومنازعات بين مصلحة الضرائب والرجل، وترتب عليها عدم تسديد الضرائب عن هذين العامين، ودخلت الأعوام التالية في مراحل تقديم الميزانيات والفحص.

وقد قُدِّرت أرباحه منذ بداية نشاطه منذ عام 1989م وحتى 2008 م عن نشاطه المهيمن على صناعة الحديد بنحو 25 مليار جنيه (راجع المصدر السابق، ص 142).

وكقاعدة عامة فكثير مِن رجال المال والأعمال يقومون بتقديم بيانات وجداول عن ميزانيتهم مجمعة مختصرة وليست مفصلة، تتضمن مبالغة في تكاليف المواد الخام المستوردة والمحلية، وتكاليف الوقود، وتكاليف عمليات الصيانة والإحلال، وتكاليف الأجور والمرتبات، إلى جانب بنود التبرعات.

قال الأستاذ عبد الخالق فاروق: "مِن الحكايات المسكوت عنها في أنشطة السيد أحمد عز على الصعيد الاقتصادي عنصرين:

الأول: حجم الدعم الضخم الذي حصل عليه الرجل سنويًّا مِن خلال تقديم الوقود له ولشركاته بأسعار تقل كثيرًّا جدًّا عن الأسعار المعقولة والمتوافقة مع الأسعار الدولية، وهل هذا يمثِّل إهدارًا للمال العام لصالح هذا الرجل وأمثاله مِن رجال المال والأعمال؟!

الثاني: السماح له -ولغيره مِن رجال الأعمال- بالتصدير الواسع لمنتجاته إلى الأسواق العالمية، مستفيدًا مِن فروق الأسعار في مدخلات الإنتاج من الطاقة والغاز مقارنة بالأسعار الدولية لتلك المدخلات، ويضاف صافي الربح من تلك العملية إلى حساب تلك المشروعات.

في أية حال لقد ظلت شركات السيد أحمد عز وأمثاله من رجال الأعمال يحصلون على المتر المكعب من الغاز الطبيعي والكهرباء والسولار والمازوت، وغيرها مِن مصادر الطاقة بأسعار منخفضة جدًّا حتى 30/ 8/ 2007م، حينما أعلن وزير الصناعة والتجارة بداية تحريك الأسعار بقروش قليلة".

ويضيف: "إن شركات السيد أحمد عز وغيره مِن كبار رجال المال والأعمال ظلوا لسنواتٍ طويلة يحصلون على المليون وحدة حرارية، وهي وحدة القياس الدولية، بأقل مِن دولار واحد، في حين كان متوسط سعره في السوق العالمية -حينما كان سعر برميل النفط أقل من 30 دولارًا- يتراوح بين 5و3 دولار إلى 6 دولارات للمليون وحدة حرارية، وقس على ذلك بقية مصادر الطاقة الأخرى، أي أن الخزانة العامة التي تمول التعليم وصحة الفقراء ورصف الطرق وغيرها مِن الخدمات الحيوية قد خسرت حوالي ثلاثة مليارات جنيه سنويًّا خلال عشر سنوات، ذهبت لصالح هؤلاء، وإذا أردنا مزيدًا مِن الدقة العلمية تذهب إلى حوالي 40 مصنعًا كثيف الاستخدام للطاقة تحصل وحدها على 55 % مِن الطاقة المخصصة للقطاع الصناعي، وحوالي 75% من دعم الغاز الطبيعي، وحوالي 61 % من دعم الكهرباء، وقد زادت قيمة هذا الإهدار والنهب للخزانة العامة بعد ارتفاع أسعار برميل النفط من 30 دولارًا عام 2003 م إلى 100 دولار في المتوسط خلال عامي 2006م و2007 م.

وقد ترتب على ذلك: أن زادت شهية رجال مثل السيد أحمد عز على التصدير للخارج والاستفادة بتلك الميزة التنافسية، وهو ما تظهره بيانات مركز معلومات مجلس الوزراء حينما أشارت إلى أن صادرات مصر مِن الحديد والصلب قد زادت مِن 4و134 مليون دولار عام 2000م إلى أن بلغت 1و747 مليون دولار عام 2007م، أي زادت بمقدار خمسة أضعاف تقريبًا، كان نصيب السيد أحمد عز هو الأكبر، حيث تجاوز الثلثين تقريبا!" (راجع المصدر السابق، ص: 143 ، 144 بتصرف).

التمتع بالنفوذ السياسي:

تمتع أحمد عز في أواخر سنوات حكم مبارك بنفوذ سياسي كبير في الحزب الوطني الحاكم، حيث تولى منصب أمين تنظيم الحزب الوطني، ورئيس لجنة الخطة والموازنة العامة فيه، وبسط بالتالي نفوذه على نواب الأغلبية مِن الحزب الحاكم في البرلمان، وكان من المقربين من جمال مبارك الذي شارك بقوة في العمل السياسي، وأطلق عليه أمين السياسات بالحزب الوطني الحاكم، وصار جمال في نظر الكثيرين الوريث القادم لأبيه في الحكم.

وقد تولى أحمد عز أمر انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في عهد مبارك في عام 2010م، وهي الانتخابات التي تم فيها منع الرموز المعهودة للمعارضة مِن الفوز فيها وبصورة فجة، وكان عز كبير مهندسيها بمباركة قيادات الحزب الحاكم وكبار رجال الدولة وقتها، وهي الانتخابات التي رأى الكثيرون أن تزويرها كان من أسباب تفجير ثورة 25 يناير 2011م، والتي تلاها حل هذا المجلس في فبراير 2011م.

قدَّم أحمد عز التبرعات للحزب الحاكم، وأغدق على بعض نواب الأغلبية بالعطايا والسفريات، وتولى مع نواب الحزب -وهم الأغلبية- التصدي للمعارضة في البرلمان، حيث كانت هذه الأغلبية هي السلاح المعد لخدمة النظام الفاسد (راجع في ذلك: "كواليس الفساد في برلمان مبارك" للكاتب محمد المصري، ط. كتاب اليوم - أغسطس 2014م، ص: 65- 78).