عصام زهران - المشاعر الغائبة! - بوابة الفتح الالكترونية
عصام زهران
2019-07-07 18:46:49

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛   

فنحتاجُ أن نجبرَ خاطرَ مَن يعتقدُ أنَّه لا قيمةَ له في المجتمعِ؛  فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ، يُقال لَهُ: زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ، كَانَ يُهدِي إِلَى النَّبِيِّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- الْهَدِيَّةَ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-: (إن زاهِراً بَادِيَنا، وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ)، قَالَ: فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ -وَالرَّجُلُ لَا يُبصره-؛ فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَن هَذَا؟، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-: (مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟)، فَقَالَ زَاهِرٌ: تجدُني يَا رَسُولَ اللَّهِ كاسِدًا، قَالَ: (لَكِنَّكَ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ، أَنْتَ عندَ اللهِ غَالٍ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

المشاعر الغائبة مِن المحن الكاسرة للقلوب؛ فنُهملُ الأحبة ونهتم بالأَخِلة، فنكسر نفوسًا رقراقة دون شعور؛ ونُهدِر طاقات بشرية؛ بسبب إغفال معلم، وانشغال عالم، فكم مِن طالب علم يحتاج إلى تحفيز معلم، وكم مِن عاجز يحتاج إلى معين!

كنت معلمًا شرعيًّا لمجموعة مِن الطلبة: منهم أطباء، ومنهم شباب ضعاف الهمة والذكاء؛ فكان جهدي واهتمامي وثنائي ينصب على الطلبة المتفوقين، وبعد سنوات أصبح ضعاف الهمة والذكاء أئمة يُقتدى بهم في العلم والنشاط؛ أما البقية فقد تركوا الطريق؛ فعلمتُ أني كنت مقصِّرًا جدًّا في تجاهلي للطلبة الضعاف!

كم مِن إنسان يحتاج إلى كلمة ثناء مِن أستاذه فينطلق بعدها إلى مصاف العظماء.

كم مِن إنسان ينتظر نظرة تمجيد وثناء مِن أستاذه لتكون نقطة انطلاق لا هوادة فيها.

كم مِن معلم يصب ثناءه وتحفيزه على رجل أو رجلين ويهمل الآخرين متعمدًا؛ ثم يفنى الجميع ويبقى الرجلان!

لقد قرأت كثيرًا أن كلمات التحفيز والثناء كانت سببًا رئيسيًّا في صناعة علماء كانوا أغبياء وهم صغار:

- قال مخترع الكهرباء توماس ألفا أديسون (Thomas Alva Edison):‏ "أمي هي التي صنعتني!"؛ لأنه كان غبيًّا جدًّا؛ فقامت أمه بتحفيزه وتعليمه.

- ‏جاء في ترجمة جمال الدين الأسنوي -رحمه الله، تـ(٧٧٢)-: "وكان يقرّب الضعيف المستهان به مِن طلبته، ويحرص على إيصال الفائدة إلى البليد، وربما ذكر عنده المبتدئ الفائدة المطروقة، فيصغي كأنه لم يسمعها، جبرًا لخاطره، وله مثابرة على إيصال البر والخير إلى كل محتاج، مع فصاحة عبارة، وحلاوة محاضرة، ومروءة بالغة".

- فأجبروا الخواطرَ، وشاركوا المشاعرَ، واعلموا أنَّها عبادةً يحبها اللهُ -تعالى-، وقديمًا قالوا: "مَن سَارَ بينَ النَّاسِ جابرًا للخَواطرِ، أدركَه اللهُ في جَوفِ المَخاطرِ".

وعن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-: أنّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان يقولُ بينَ السجدَتينِ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).