نور الدين عيد - التوازن بين الأصول والنقول (3) - بوابة الفتح الالكترونية
نور الدين عيد
2019-07-16 17:42:29

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبعد الكلام عن ارتباط مرجعية الاستدلال وعقيدة أهل السُّنة؛ وجب بيان هذا التوازن بين الأصول وماهيتها، والنقول وميزان قبولها، فما اعتبره أهل السنة أصلًا، فلا يصح أن يُعارَض بفرع عنه، فضلًا أن يزاحمه وهم أو ضلال، وهذه المسائل الفاصلة التي ميزت صفاء المنهج السلفي عن غثاءات المتأخرين من المبتدعة والدخنة.

- ماهية الأصل وحده:

ففي طيات بحث ماهية الأصل لابد مِن اصطحاب معناه حتى يُعلم المقصود منه، ومما استقر العلم به في المصطلحات عند تعريفها أنه لابد من رابطة بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي؛ لذلك جرت عادة أهل العلم على تعريف المصطلح في لسان العرب وما عنوه به، ثم يوضع المقصود منه اصطلاحًا عند أهل هذا الفن، ومِن ثَمَّ نشير إلى منزلة كلمة أصل في لسان العرب، فهي تُطلق ويراد بها معانٍ:

- منها: ما يبنى عليه غيره، وهذا اختيار أكثر أهل العلم من الأصوليين.

- ومنها: أصل الشيء ما منه الشيء، قاله الطوفي وغيره.

ومنها: ما يتفرع عليه غيره، وهو اختيار القفال الشاشي.

- ومنها: المحتاج إليه، وهو اختيار فخر الدين الرازي.

- ومنها: ما يستند ذلك الشيء إليه، قاله الآمدي، وهذه تعريفات تشير لمعنى متقارب، وهو افتقار الفرع إلى هذا الأصل.

وإذا كانت هذه المنزلة اللغوية فلا يصلح المفارقة في المعنى عند استعماله في الاصطلاح، فهو الدليل، والقاعدة الكلية، والرجحان، والاستصحاب، وعليه نقول: إن أصول أهل السُّنة تدور في هذه المنزلة، فالذي اعتبره أهل السنة أصلًا فيتفرع عليه أمر دينهم، سواء كان معتقدهم أو عبادتهم أو سلوكهم أو دعوتهم أو سياساتهم.

وعند تفصيل الأصول المعتمدة عند أهل السنة، فمنها ما يكون ألصق بوصف العصمة وهو: القرآن والسنة والإجماع، وهذا ما لا يصلح في اعتباره خلاف، وهو وصف ملازم لأهل الحق والسنة، فهو مصدر المعرفة الشرعية عند أهل السنة، فلا كلام لأحدٍ قبل كلام الله، ولا هدي لأحدٍ قبل هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) (الحشر:7).

وفي خُطبة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- في "حجَّة الوداع" حثٌّ على التمسك بالكتاب والسُّنة حيث قال: (إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، وعن جابر عن النبِيِّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- حين أتاه عمر فقال: إنا نسمع أحاديث مِن يهود تعجبنا، أفترى أن نكتب بعضها؟ فقال: (أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟! لقد جئتُكم بها بيضاء نقيَّة، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي) (رواه أحمد والبيهقيُّ في شعب الإيمان، وحسنه الألباني)، وهذان الأصلان -الكتاب والسنة- ظاهرا الحجية، والإجماع حجة عند أهل السنة بلا ريب، وهذا مقلق لأهل البدع والأهواء والزيغ؛ لذلك أنكرته الإمامية الرافضة والخوارج في غير الطبقة العليا، وأدلته في الحجية واضحة مُلئت بها كتب الأصول، والبسط في أدلته وأقوال أهل العلم في حجيته يطول، وأما ما يعتبر أصلاً عند البعض وليس محل اتفاق له منزلة، وأما الأوهام التي وضعها بعضهم أصولًا يبررون بها التحلل والهوى فواجب نقضها وبيان عوارها.

والله أسأل أن يسددنا، ويفقر لنا تقصيرنا، وأن يعصمنا من الزلل.

والحمد لله رب العالمين.