سعيد محمود - الثبات (13) - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-07-24 13:07:45

عوامل الثبات (9) تذكر يوم الموت

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الموت حتم لازم على كل نفس، لا يمنعه أحد عن نفسه ولا عن غيره: قال الله -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران:185)، وقال: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (الجمعة:8).

- يوم الموت، يغلق فيه كتاب عمل الإنسان ويظهر فيه أثر ثباته في الدنيا مِن عدمه: قال -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم:27)، وعن البراء بن عازب قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي جِنَازَةٍ، فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَبَكَى، حَتَّى بَلَّ الثَّرَى، ثُمَّ قَالَ: (يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

- لذا كان الإرشاد النبوي بالإكثار مِن تذكر هذا اليوم وترسيخ ذلك في حياة المسلم اليومية: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: حسن صحيح)، وكان إذا أوى إلى فراشه قال: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ أَمُوتُ وَأَحْيَا) وَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ مَنَامِهِ قَالَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (متفق عليه).

- تذكر يوم الموت يستلزم تذكر ثلاثة مشاهد أساسية تكون فى هذا اليوم: (الاحتضار وخروج الروح - الانتقال إلى القبور - أول ليلة في القبر).

المشهد الأول: الاحتضار وخروج الروح:

- تذكر سكرات الموت وشدتها: قال -تعالى-: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ) (ق:19)، وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ) قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَجَلْ) (متفق عليه).

- تذكر حضور الملائكة باعتبار حال المحتضر: قال -تعالى-: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام:61)، وقال: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ . وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ . وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُبْصِرُونَ) (الواقعة:83-85)، وقال -تعالى-: (فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ . ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد:27-28)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت:30-32).

- تذكر لحظة الختام في الدنيا وعلى أى شيء تموت وصور معاصرة مِن ذلك(1) (قصة موت مؤذن): ذكر الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري في مقالة "تباريح" بالمجلة العربية (العدد171، ص 70-71)، قال: حدثني أخي الشيخ محفوظ الشنقيطي -مدير عام العلاقات بمجمع الملك فهد للمصحف الشريف- عن شيخ القراء بالمجمع الشيخ عامر السيد عثمان -رحمه الله-: "أنه فقد حباله الصوتية فى السنوات السبع الأخيرة من حياته، وكان يدرس تلاميذه "القراء" فلا يفصح لهم الا بشهيق وإيماء، ثم مرض مرض الوفاه، وكان طريح السرير الأبيض بالمستشفى؛ ففوجئ أهل المستشفى بالرجل المريض فاقد الأحبال الصوتية يقعد ويدندن بكلام الله بصوت جهوري جذاب مدة ثلاثة أيام ختم فيها القراءة مِن سورة القاتحة إلى سورة الناس، ثم أسلم الروح إلى بارئه!".

وقال الشيخ في نفس المقال: "وكان خال أبي وابن عم جدي عمر بن محمد العقيل -رحمه الله- مؤذنًا بمسجدنا خمسة وثلاثين عامًا، لم يتخلف عن فرضٍ واحدٍ لحر أو قر، ومات في الرياض عن عمر تسعون عامًا، وكان مقعدًا، فلما حضرته الوفاة، وجده أبنه محمد واقفًا بعد أن كان مقعدًا يصدح بجمل الأذان: الله أكبر، الله أكبر...  ثم خرجت روحه" (نقلًا عن سكب العبرات، للشيخ سيد العفاني، ج1/452).

المشهد الثانى: الانتقال إلى القبور (سكنك الجديد):

- بعد التغسيل والتكفين والصلاة عليك حملوك إلى القبور وشيعوك ثم تركوك.

- القبور... منزل بعيد عن أهلك وولدك، ليس فيها عمار ولا أنوار، يُنتقل إليها ولا ينتقل عنها، يوشك أن تستفرغ أهل الدور، لسان حال أهل الدنيا يقول لأهل القبور: دوركم سكنت، وأموالكم قسمت، ونسائكم نكحت، ولسان حال أهلها يقول لأهل الدنيا: نحن مثلكم كنا، وسيأتي يوم تصيرون منا، فتعرفون قيمة الحياة.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ بِقَبْرٍ، فَقَالَ: (مَنْ صَاحِبُ هَذَا الْقَبْرِ؟) فَقَالُوا: فُلَانٌ. فَقَالَ: (رَكْعَتَانِ أَحَبُّ إِلَى هَذَا مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ) (رواه الطبراني في الأوسط، وقال الألباني: حسن صحيح).

- القبور ظاهرها مظلم، فكيف بباطنها؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا قَطُّ إِلَّا وَالقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- استقبال القبور لأهلها على حسب حالهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً وَلَوْ كَانَ أَحَدٌ نَاجِيًا مِنْهَا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ) (رواه أحمد والذهبي، وصححه الألباني)، فهي إما ضمة أمّ حنون، أو هي ضمة قابض لهارب.

المشهد الثالث: أول لية في القبر:

- أول ليلة... تكشف عما في بطون القبور يدور: مرَّ أبو الدرداء -رضي الله عنه- بين القبور فقال: "يا بيوت، ما أسكن ظواهرك! وفي داخلك الدواهي!".

- في أول ليلة... فتنة القبر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ) (متفق عليه).

- في أول ليلة... رؤية الملكين الرهيبين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ... ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- في أول ليلة.. السؤال الخطير: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (... يُقَالُ لَهُ: يَا هَذَا، مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).

- في أول ليلة... يكون المصير المترتب على الجواب في الحالين: (نعيم وكرامة للصالحين أو عذاب وهوان للفاجرين): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ... )، وقال: (فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني).   

خاتمة:

- فهل بعد تذكر يوم الموت على هذا النحو يتراجع الإنسان عن الثبات؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هَذَا فَأَعِدُّوا) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني).

- الموت أقرب إلينا، ويأتي في أي لحظة: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان:34).

قال الشاعر:

عـليـك بـتقـوى الله إن كـنـتَ غــافــلًا              يـأتـيك بالأرزاق مـن حـيـث لا تــدري

فـكـيف تـخـاف الـفــقــرَ والـلـه رازق              فقد رزق الطير والـحـوت فـي الـبـحـر

ومــن ظــن أن الـرزق يــأتـي بـقــوة               مــا أكــل العصفور شـيـئًا مـع الـنسـر

تــزول عـن الـدنـيا فإنك لا تــدري إذا             جن عليك الليل هل تـعـيش إلى الـفجر

فكم من صـحيـح مـات مـن غيـر علة              وكـم مـن سـقـيم عاش حينًا من الدهر

وكـم مـن فـتـى أمسى وأصبح ضاحكًا              وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري

وكـم مـن صغار يرتـجى طول عمرهم             وقـد أدخلـت أجـسامهـم ظـلمـة الـقـبـر

وكـم مـن عـروس زيـنـوها لـزوجـهـا              وقــد قـضـت أرواحـهـم لــيـلـة الـقــدر

فــــمــن عـــــاش ألـــفـًـا وألـــفــــيــن             فـــلا بد مـــن يـــوم يــسـيـر إلى الـقبر

فاللهم يا مثبت القلوب ثبِّت قلوبنا على طاعتك، وأحسِن خاتمتنا في الأمور كلها.