د. ياسر برهامي - ذكريات (4) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2019-07-25 17:36:35

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛    

فقد كانت مسألة الموقف مِن الشيعة ومقاومة محاولة اختراق المجتمع المصري أحد أهم نقاط الاختلاف مع جماعة الإخوان، ومع الرئاسة في ظل رئاسة الدكتور "محمد مرسي"، ورغم أنه قد تكلم معنا بإدراكه لمدى خطر الشيعة، بل وكان يُصَرِّح بكفرهم -كما سبق أن ذكرنا في المقال السابق-؛ إلا أن فرض الأمر الواقع خلاف ذلك قد حاوله الإخوان بمحاولة تسهيل حضور السياح الإيرانيين إلى مصر بكثافةٍ هائلةٍ.

ولقد كان من جهودنا في محاولة منع هذا الطوفان تقديم طلب إحاطة لوزير السياحة في مجلس الشورى -الذي كان يمثِّل الغرفة الباقية مِن البرلمان في ذلك الوقت- لمناقشة هذا الموضوع، والسؤال عن التنسيق بين الوزارة وبين أجهزة الدولة الأخرى -كالمخابرات، وجهاز الأمن القومي، والأمن الوطني، وغيرها مِن الجهات- التي تدرك خطر هذا الحضور الهائل لهؤلاء السياح؛ لأن هذا الموضوع يمثِّل خطرًا على الأمن القومي المصري.

وقد أخبرني الأخ الفاضل عبدالله بدران -رئيس الكتلة البرلمانية لحزب النور بمجلس الشورى آنذاك- عن العجب الذي أَظْهَرَه طلب الإحاطة هذا، حيث قال: "إنه قد تلكأ مجلس الشورى في مناقشة طلب الإحاطة -المُقَدَّم مِن كتلة الحزب لمناقشة وزير السياحة في عمل بروتوكول السياحة الإيرانية- لأكثر مِن ثلاثة أشهر، وتحت الضغط والإلحاح منا تم حضور أول جلسة مِن نائب الوزير دون حضور الوزير، ولم يتم إبلاغ ولا حضور الجهات المعنية الأخرى حسب طلبنا في طلب الإحاطة -الأمن القومي والمخابرات العامة والداخلية-، وبعد أول جلسة رفضنا استكمال المناقشة إلا بحضور الوزير ومناديب مِن الجهات المذكورة.

انفردت بي -والكلام للأخ عبد الله بدران- نائب وزير السياحة بصفتي مُقَدِّم طلب الإحاطة، وأبلغتني أن الوزير حَمَّلَها رسالة لي بأن الوزارة لا تعلم عن هذا البروتوكول شيئًا! وأنه قد جاء بتعليمات من مكتب الرئاسة مباشرة، وبتعليماتٍ منه للتنفيذ، وقد تم التعاقد مع شركة طيران خاصة -مملوكة للأستاذ "رامي لَكَح"- لاحتكار نقل هؤلاء السياح وتنفيذ الاتفاق؛ وعندها أصررنا على ضرورة استطلاع رأي الجهات الأمنية المختصة، وإيقاف التنفيذ لحين إتمام ذلك.

ثم استدعاني الدكتور هشام قنديل -رئيس الوزراء- لمكتبه في مناقشة حول زيارته التي تمت للعراق ومقابلته المدعو عمار الحكيم قائد فيلق بدر بالعراق، وقلت له: كيف تجلس مع زعيم ميليشيات إجرامية تهدف إلى القضاء على أهل السُّنة؟ فقال: إنه لا يعرف أي شيء عن ذلك! وطَلَب التفاصيل.

وعندما أوضحتُ له خطورة هذه الميليشيات قال: إنه لم يكن على علم بأي شيء! وأن المنسِّق لهذه الزيارة هو الأستاذ "عصام حَدَّاد" مِن مكتب الرئاسة دون التنسيق مع الخارجية المصرية! وأنه أبلغ بأن هذه القوات اتفقت معها الدولة لحماية الشركات المصرية التي تعمل في العراق، فرددتُ: حتى ولو كان ذلك بعلم أجهزة الدولة فلا يصح قيام شخصية مسئولة كبيرة مثل رئيس الحكومة المصرية بالتواصل المباشر مع ميليشيات طائفية مهمتها القضاء على أهل السنة هناك، وهذا معروف ومُشَاهَد للعالم كله" (انتهى كلامه).

ولقد كانت محاولة إيجاد بديل عن المؤسسة الرسمية المسئولة عن حماية الرئيس بما يشبه الحرس الثوري -والذي تبيَّن أنه كان توجيهًا مِن القيادة الإيرانية إذ ذاك- لها قرائنها التي أتذكر منها أنه: قد اتصل بي مرةً ليلًا الأستاذ "عصام دربالة" -أيام مظاهرات المعارضين للرئاسة أمام قصر الاتحادية واعتصامهم هناك-، وقال: إن لدينا معلومات أن اقتحام القصر الجمهوري سيكون خلال ساعات وأنه قد تَحَدَّد! وأنه يلزم حضور جميع الإخوة الليلة أو غدًا على الأكثر حتى نكون جميعًا أمام القصر لكي نحمي الرئيس! مع ضرورة توفير مكان بديل له لتأمينه! وأنه يلزم أن تكون الأعداد حول القصر تصل إلى مليون شخص لردع أي محاولة للاقتحام، وطَلَب حضورنا بقوة -كأبناء الدعوة والحزب- فورًا، وخلال ساعات!

تَعَجَّبتُ ساعتها مِن هذه الطريقة في التفكير، وفي توصيل المعلومة -لو وُجِدَت ولو صَحَّت-، وكيف يتولى عصام دربالة التنسيق والطلب؟!

وكان جوابي: أن هناك جهات مسئولة -كالمخابرات والحرس الجمهوري وقوات الجيش-؛ حتى لو حَدَث تقصيرٌ مِن الداخلية، فهذه القوات الرسمية كافية، وهي المسئولة عن حماية الرئيس والقصر الجمهوري، ثم إن الرئاسة لم تطلب منا ذلك، وأنا في الحقيقة أستبعد صحة المعلومة التي ذكرتها، ولا أستطيع أن أطلب من الإخوة التحرك بهذه السرعة في هذا الوقت من الليل وبهذه الأعداد لمجرد احتمال لا ندري مدى صحته، ولا ندري عواقب هذا الأمر، ورفضتُ المشاركة، وتواصلت مع إخواني في مجلس الإدارة وقتها، واتفقنا على صحة الرفض الذي بلغتُ به "عصام دربالة".

وللأسف: كانت هذه الفكرة قد بدأت في التبلور، بل وكانت نقطة البداية في فكرة "اعتصام رابعة" -مأساة الحركة الإسلامية في عصرنا الحديث، بل ومأساة بلدنا كله خلال هذه المُدَّة- مع سطحية الحسابات، وسطحية الإعدادات، وسذاجة المُوازَنات، وخلل الخطاب الدال على الانحراف العقدي والمنهجي الذي لم يستجيبوا لإصلاحه بأي درجةٍ مِن الدرجات، بل تبرَّأوا منه ونَسَبُوه لغيرهم -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، كما سنُبَيِّنه في مقال آتٍ -إن شاء الله-.