د. علاء بكر - الفساد (23) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2019-07-31 19:42:57

هل الديمقراطية ديمقراطية؟ (2-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد صاحب ظهور الديمقراطية الأخذ بالعديد مِن المبادئ المتعلقة بإشراك الشعب في توجيه أمور الحكم، ومنع الاستبداد بأنواعه، وإقرار الحقوق والحريات، وهو ما تضمنته الدساتير في الدول التي طبَّقت الديمقراطية، وقد تعرضت تلك المبادئ للتطور والتغير عبر الممارسات الطويلة.

مبدأ السيادة للأمة:

نادى (روسو) في كتابه: (العقد الاجتماعي) بأن إرادة الأمة وحدة واحدة لا تتجزأ، وأنها لا تعلوها إرادة، سواء لحاكم أو غيره، وقد كانت (نظرية السيادة) أداة الملوك في العصور الوسطى في أوروبا لتسويغ سلطاتهم بأنهم استمدوها مِن الله مِن خلال البابا في الكنيسة، فعمد مفكرو الثورة الفرنسية إلى مبدأ السيادة للأمة لإعلاء إرادة الأمة على إرادة الملوك.

قال د."علي الباز" أستاذ القانون العام: "ويؤدي ذلك المبدأ إلى عدة نتائج قانونية وسياسية، منها: أن القانون ما هو إلا تعبير عن تلك الإرادة العامة للأمة، وأن التعبير عن إرادة الأمة يتطلب اختيار أو انتخاب ممثلين (نواب)عن الأمة؛ ولذلك فإن المبدأ يُعد سندًا للديمقراطية غير المباشرة (النظام النيابي)، ولا يتفق مع الديمقراطية المباشرة أو شبه المباشرة، ففيهما يمارس الشعب سلطاته بنفسه لا عن طريق ممثلين عنه، (كما يترتب على المبدأ نتائج هامة تتمثل في أن الانتخاب هو وظيفة للأفراد وليس حقًّا لهم، وأن النائب يعد ممثلًا للأمة كلها وليس لدائرته فحسب؛ إضافة إلى أن الأمة هي وحدها صاحبة الحق في وضع دستورها وتعديله، ولا يحتاج هذا التعديل إلى تصديق أو اعتماد من الحاكم.

وقد وُجهت إلى هذا المبدأ انتقادات عدة، منها: أنه لا حاجة للمبدأ اليوم، فقد اتخذ وسيلة لهدم استناد الملوك إلى الحق الإلهي وغيره من النظريات، وقد انتهى مثل هذا الأمر، فلا فائدة له الآن، بل قد يخشى منه الضرر بل الخطر على الحريات العامة، بل قد يؤدي المبدأ -وقد أدى فعلا في أمثلة عديدة- إلى استبداد الحكام، بل إلى استبداد البرلمانات كذلك، وأن المبدأ يمكن أن تستند إليه أنظمة متعارضة ديمقراطية ودكتاتورية" (راجع الديموكتاتورية د.علي الباز، ص51-52 بتصرف)، فالرئيس المنتخب -بل البرلمان المنتخب- قد يستبد ويطغى؛ بدعوى أنه يمثِّل إرادة الأمة والشرعية فيها.

البرلمان يمثل إرادة الأمة العامة:

فالبرلمان المنتخب انتخابًا يفترض أن يكون انتخابًا حرًّا نزيهًا، ويفترض أن يمثِّل الشعب ويعبِّر عن إرادته الحقيقية، ويمنع أي صورةٍ مِن صور الاستبداد، فإلى أي مدى يتحقق ذلك؟ عمليًّا قرارات المجالس النيابية قد لا تمثِّل دائمًا الإرادة الشعبية أو أغلبية الشعب أو الرأي العام بقدر ما تعبِّر عن إرادة أعضاء المجالس النيابية، وإرادة البرلمان مستقلة كما ذكرنا عن إرادة الناخبين، ويتشكل البرلمان مِن خلال الانتخابات مِن أعضاء يمثلون اتجاهات وأحزابًا مختلفة، وقد يفوز حزب معين بأغلبية داخل البرلمان -لا بإجماع- فيصبح البرلمان يمثل الحزب، ويحدد نواب الحزب الآراء ويصوتون عليها بالقبول، بل قد تمثِّل تلك القرارات فئة قليلة هي قيادات الحزب الحاكم، بل قد يتغيب عن الجلسات عند اتخاذ القرارات أعضاءٌ كثيرون فيتم اتخاذ القرار بأغلبية الحاضرين أكثر مِن نصف الحاضرين، وهذه الأغلبية بالنسبة لمجموع الأعضاء الكلي لا تمثل أغلبية حقيقية، بل تشكل لجان برلمانية متخصصة بأعداد قليلة مختارة مِن داخل البرلمان تقوم بدراسة وفحص القضايا الهامة، ومشروعات القوانين المعروضة، ثم تعرض نتائج دراستها متضمنة رأيها وتوصيتها على أعضاء المجلس، وغالبًا ما يتم الموافقة على آراء تلك اللجان، وكثيرًا ما تكون هذه اللجان موجهة أو لرؤسائها نفوذ تتحكم عمليًّا فيها.

نتائج الانتخابات البرلمانية تعبِّر عن إرادة الأمة:

الانتخابات هي السبيل الوحيد لتكوين برلمان يمثِّل الشعب، ولكن هل هناك ضمانات كافية تكفل صحة وسلامة كل العملية الانتخابية؟

يتوقف ذلك على أمورٍ عديدةٍ، منها:

- مدى الوعي السياسي والإخلاص الوطني عند كل أفراد الشعب؛ أي إدراك الحقائق السياسية إدراكًا جيدًا، مع درجة مناسبة مِن الفهم السياسي، والقدرة على تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة دائمًا، بعيدًا عن العواطف والمهاترات.

- حيدة الحكومة، وهذه تتفاوت مِن مجتمع سياسي لآخر، وبحسب درجة الوعي السياسي للمواطنين، حيث إن هناك قوانين كثيرة تستهدف منع الحكومة والسلطة التنفيذية من التدخل في الانتخابات لصالح جهة ضد أخرى، ولكن العبرة بتفعيل تلك القوانين وتطبيقها التطبيق السليم.

- مدى قوة الإشراف القضائي الكامل الشامل المستقل على العملية الانتخابية مِن أولها إلى آخرها، وأن تكون له السلطة والصلاحيات لاتخاذ كافة القرارات الحاسمة والعاجلة؛ لحماية وصيانة خطوات العملية الانتخابية مما قد يؤثِّر على نتائجها ويزور بالتالي إرادة الأمة.

- مدى انضباط وحيادية ونزاهة وسائل الإعلام المختلفة: المقروءة والمسموعة والمرئية، ووسائل التواصل المختلفة: الحكومية والخاصة؛ إذ تلعب هذه الوسائل أدوارًا كبيرة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها لما لها مِن تأثيرٍ كبيرٍ وخطير على نتائج الانتخابات، ورغم وجود القوانين والقواعد المنظمة لدور الإعلام في هذا الأمر، ولكن جرت العادة خاصة في الدول النامية على التغاضي عن تجاوزات الإعلام الخطيرة في هذا الشأن إلا النادر، وبعد إحداثها لتأثيرها وتحقيقها لأهدافها المرسومة لها، بما يؤثر على إرادة الأمة ويوجهها.

الأحزاب السياسية أغلبية ومعارضة جزء من العملية الديمقراطية:

الحزب السياسي: جماعة مِن الأفراد لها برنامج سياسي تسعى لتنفيذه مِن خلال الفوز بالحكم -أو المشاركة فيه- بالوسائل الديمقراطية.

وتعدد الأحزاب قد يبدو متناقضًا مع مبدأ أن سيادة الأمة وحدة لا تتجزأ؛ لما في اختلاف الرؤى مِن تجزئة للسيادة بين أفراد الشعب، بأغلبيةٍ تعبِّر عن الإرادة العامة، وإلى جانبها أقلية تعارض وتنتقد، ولكن تعدد الأحزاب ضرورة للنظام الديمقراطي النيابي، فلا ديمقراطية بلا أحزابٍ سياسية، والغالب واقعيًّا تصدر حزبين كبيرين يتنافسان على تولي الحكم، كحزبي العمال والمحافظين في إنجلترا، والحزبين: الجمهوري والديموقراطي في أمريكا.

ويؤخذ على الأحزاب: أن الكثير منها يأتمر بأمر قادتها، أي يحكمها ويسيطر عليها قلة مِن القادة، وقد تغلب عليهم المصالح الخاصة وحب الرياسة والزعامة وكراسي الحكم -مع الحرص على إخفائها- على المصالح العامة، وإن أفسد ذلك الحياة السياسية مِن خلال الدسائس والصراعات والتنافس غير الشريف، مما يمزِّق وحدة الوطن ويورث الضغائن والبغضاء، بل ربما جرَّ ذلك إلى التحالف مع قوى خارجية معادية لمصالح الوطن.

وفي بعض الدول تكون الأحزاب فيها هامشية لا وجود لها على أرض الواقع في مواجهة حزب حاكم مهيمن يحرص كل الحرص على بقاء الأحزاب على ضعفها السياسي، فيضمن استمراره في الحكم بلا منازع يخشاه، وتصبح أحزاب المعارضة مجرد ديكور في النظام الديمقراطي.

وقد تتعد الأحزاب وتتساوى في قوتها -أو تكاد- فلا يتمكن حزب منها من الحصول على الأغلبية المطلوبة، وتتشكل حكومات ائتلافية قصيرة العمر لا تصمد طويلًا في مواجهة اختلافاتها، مما يؤثِّر بالسلب على الحياة السياسية في البلاد، وهذه صورة شائعة في العديد مِن الدول، من أشهرها: إيطاليا، ولبنان، وإسرائيل.

تنبيه:

1- لا نقصد مِن عرض ذلك هدم الديمقراطية كنظام للحكم، بل إننا مع القائلين بالأخذ بآليات الديمقراطية -بعيدًا عن فلسفتها النظرية- في ظل ما في الأمة مِن اختلافاتٍ كبيرةٍ في الرؤى والتوجهات والآراء؛ لما لهذه الآليات مِن قبول لدى الأكثرية، ولما لها من مزايا -على ما فيها من عيوب- في تنظيم المجتمعات التي تتعدد فيها التوجهات والرؤى من خلال آليات متفق عليها -على ألا تخالف هذه الآليات ثوابت الشريعة الإسلامية- تسمح بالمساهمة في العمل السياسي والمشاركة في الحكم، وتحفظ حقوق الجميع، وتراعي حرياتهم أغلبية ومعارضة بلا تمييز؛ هذا كله في إطار يؤكد على أن دين الدولة الإسلام، فلا يجوز الخروج عنه، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، فلا يجوز مخالفتها، وهذا ما أكدته -بفضل الله تعالى- إرادة الأمة المصرية في أكثر مِن مرة، مع الحثِّ المتواصل على تفعيل ذلك، وتنقية القوانين المعمول بها مما يخالفها.

2- يرد ما ذكرناه على مَن يقدس الديمقراطية، ويراها النظام المثالي، ولا يلتفت إلى ما فيها من عيوب وسلبيات.

3- يؤكد ما ذكرناه على أن تطبيق الديمقراطية يختلف من دولة إلى أخرى، وأن لكل دولة بصمتها في تطبيق الديمقراطية، وتحقيق أكبر قدر مستفاد مِن تطبيق الديمقراطية متوقف على الرغبة الجادة مِن القائمين عليها في الاستفادة مِن كل القوى السياسية وتفعيلها.

صور النظام النيابي:

للنظام النيابي ثلاث صور بناءً على مدى الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، ومدى السلطات الممنوحة للسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، وهذه الصور هي:  

1- النظام البرلماني:

ظهر أول ما ظهر في إنجلترا، وما زالت إنجلترا أشهر مثال للنظام البرلماني، الذي يجعل مِن رمز الدولة (الملك أو رئيس الجمهورية) سلطة شرفية لها خصائص شرفية، تسود ولا تحكم، وهو نظام يقوم على: الفصل المرن بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية، مع التعاون والتوازن بينهما، فليس الفصل فصلًا تامًّا مطلقًا يؤدي إلى العزلة بين السلطات، ولكنه فصل نسبي؛ لئلا تجتمع السلطة التشريعية والتنفيذية في يد واحدة خشية الاستبداد، فلابد من سلطة في مقابلة سلطة، تتوزع الصلاحيات بينهما، وتقوم العلاقة بينهما على التعاون والمساواة، والتوازن والتأثير المتبادل.

ويتصف فيه الجهاز التنفيذي بالثنائية، ويراد بثنائية الجهاز التنفيذي أن تتكون السلطة التنفيذية من رئيس الدولة ومجلس للوزراء، والوزراء يكونون هيئة جماعية واحدة يسودها الانسجام، أعضاؤها -أو أغلبهم- مِن أعضاء البرلمان مِن أعضاء الحزب الفائز بالأغلبية في البرلمان، لها إرادتها المستقلة، أي ليست تابعة لرئيس الدولة، ولها مسئوليتها الجماعية التضامنية أمام البرلمان.

فثنائية الجهاز التنفيذي تعني الفصل بين شخصية رئيس الجمهورية وشخصية رئيس مجلس الوزراء، فلا يجمع فيها رئيس الجمهورية بين منصبه ومنصب رئيس الوزراء، وإلا انتفت ثنائية الجهاز التنفيذي.

واستقلال الوزراء يجعلهم مسئولين المسئولية السياسية، وبالتالي عدم مسئولية رئيس الجمهورية سياسيًّا في ظل النظام البرلماني؛ فسلطاته إما شرفية، أو أنه يمارس سلطاته من خلال وزرائه، أو أن سلطاته تنتقل إلى الوزراء؛ لذا فقراراته لابد أن تحمل توقيع الوزير المختص الذي يسأل سياسيًّا عن هذه القرارات، أي تنتقل السلطة الفعلية إلى الوزراء وتصبح سلطات الرئيس سلطات اسمية.

نعم، قد يكون لرئيس الجمهورية سلطة تعيين الوزراء وعزلهم وله حل البرلمان، ولكنها سلطة شكلية من الناحية العملية؛ إذ إن ذلك مقيد بأن يكون رئيس الوزراء هو رئيس الحزب الحاصل على الأغلبية في الانتخابات الذي يقوم بترشيح الوزراء، ورئيس الجمهورية لا يقدم على حل البرلمان دون أن يحسب حساب الأغلبية في البرلمان وقوتها واحتمال فوزها في الانتخابات الجديدة من جديد.

ومسئولية الوزير مسئولية فردية تتعلق بأعمال وزارته أمام البرلمان، ومسئولية تضامنية عن السياسة العامة للحكومة، والاقتراع على الثقة بأحد الوزراء هو اقتراع على الوزارة بأكملها، وسحب الثقة مِن رئيس الوزراء يعد سحبًا للثقة مِن الوزارة بأكملها.

2- النظام الرئاسي:

وفيه يكون رئيس الدولة المنتخب هو المحور الرئيسي للنظام، فهو رئيس السلطة التنفيذية، صاحب السلطة والمباشر لها، بمساعدة مساعديه، وهو نظام يطبِّق الفصل بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية بصورة جامدة، تكون الغلبة والرجحان للسلطة التنفيذية، أي رئيس الجمهورية، فلا يوجد بجوار الرئيس رئيسًا للوزراء أو مجلسًا للوزراء بالمعنى المعروف في ظل النظام البرلماني، ولرئيس الجمهورية تعيين وزراء أو مساعدين، يتبعونه مباشرة وينفذون سياسته، ومسئوليتهم أمام الرئيس فحسب، ولهم تقديم المشورة له، وإن كانت غير ملزمة، وللرئيس حق عزلهم.

وهو نظام يمنع اشتراك الأشخاص أنفسهم في تكوين السلطة التشريعية والتنفيذية، كما يمنع الإشراف المتبادل بينهما، فكل سلطة تمارس صلاحيتها التي ينص عليها الدستور دون تدخل أو مشاركة من الأخرى. وللرئيس حق الاعتراض على القوانين التي يناقشها البرلمان ولا يوافق هو عليها، خاصة إذا كان لحزبه أغلبية برلمانية، والبرلمان للتغلب على اعتراض الرئيس خاصة إن كانت أغلبية البرلمان تعارضه.

وأشهر مثال للنظام الرئاسي هو النظام المطبق في الولايات المتحدة الأمريكية، وفيه لا يملك البرلمان الذي يتكون من مجلس النواب (الكونجرس) ومجلس الشيوخ مسائلة رئيس الدولة ولا مساعدوه مسائلة سياسية.

نظام حكومة الجمعية النيابية:

هو نظام يدمج بين السلطتين: التشريعية والتنفيذية، فلا يفصل بين السلطتين، والبرلمان فيه هو المهيمن على توجيه الأمور في الدولة، حيث يختار البرلمان من بين أعضائه رئيسًا للدولة أو رئيسًا للوزراء يكون مسئولًا أمام البرلمان، وللبرلمان حق عزله، وقد طبق هذا النظام في بعض الدول في فترات تاريخية ماضية، منها: النمسا في أوروبا عام 1920م، وجمهورية أوروجواي في أمريكا الجنوبية، كذلك في جمهورية تركيا في دستور 1924م، إلا إن أتاتورك حول الحكم إلى حكم دكتاتوري انفرد فيه بجميع وجوه الحكم، ويكاد يكون المثال الوحيد حاليًا لهذا النظام في سويسرا (الاتحاد السويسري).

النظام الرئاسي البرلماني ومبدأ الفصل بين السلطات:

من الناحية العملية: فإن مبدأ الفصل بين السلطات يفقد مغزاه ومعناه تدريجيًّا، فمع تعدد التطبيقات العملية للأنظمة النيابية لم يُعد هناك ما يمكن أن نسميه نظامًا برلمانيًّا خالصًا أو رئاسيًّا خالصًا، بل اختلطت الأنظمة، وأخذ بعضها من مظاهر البعض الآخر، مما يجعل مِن الصعب في كثيرٍ مِن الأحيان أن يرد تطبيق منها إلى أي منها، بل هي أقرب إلى وصفها بكونها نظامًا خليطًا، أي نظامًا رئاسيًّا برلمانيًّا، مع رجحان كفة السلطة التنفيذية في كثيرٍ مِن الأنظمة خاصة في قارتي أمريكا الجنوبية وإفريقيا (راجع المصدر السابق، ص 75-76).

ويبقى وصف النظام متوقفًا على سلطة رئيس الدولة: هل هي سلطة شرفية بلا مسئولية سياسية (نظام برلماني)، أم له سلطة مؤثرة وفعالة (نظام رئاسي)؟ وهل السلطة التنفيذية هي السلطة الراجحة (نظام رئاسي) أم هناك توازن وتساوي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية (نظام برلماني)؟

النظام النيابي في مصر:

جمع التطبيق العملي لدستور عام 1971م في مصر بين النظامين: الرئاسي والبرلماني، وجمع بين مظاهر حكم نظام الأغلبية، وبين مظاهر حكم الأقلية من خلال طغيان سلطات رئيس الجمهورية في نصوص الدستور، وفي التطبيق العملي لتلك النصوص، وهو ما يسميه البعض باسم: (الديموكتاتورية) (راجع المصدر السابق، ص 152).

ملامح الديمقراطية في دستور 2014م:

يأخذ دستور 2014م بالديمقراطية كمبدأ وكمذهب، تنص المادة الخامسة على قيام النظام السياسي على أساس التعددية السياسية، وهو تعبير لم يَرد من قبل في الدساتير المصرية، وهو يعني شرعية وجود المعارضة، واحترام حق المعارضة.

وتتمثل مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة في الدستور بالعودة للشعب لمعرفة رأيه والأخذ به على سبيل الإلزام عن طريق الاستفتاءات الشعبية، ومنها: الاستفتاء -ولأول مرة- على الموافقة أو عدم الموافقة على سحب الثقة من رئيس الجمهورية -أي عزله وإقالته- وإجراء انتخابات مبكرة؛ بالإضافة إلى الاستفتاء على دعوة رئيس الجمهورية الشعب إلى حل مجلس النواب عند الضرورة وبقرارٍ مسببٍ، والاستفتاء على معاهدات الصلح وما يتعلق بحقوق السيادة، ودعوة رئيس الجمهورية للاستفتاء في المسائل التي تتصل بمصالح البلاد العليا فيما لا يخالف الدستور، وكذلك بشأن طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور.

دستور 2014م برلماني أم رئاسي؟

الدستور فيه من مظاهر النظام البرلماني:

- ثنائية الجهاز التنفيذي، ولكنه زاد من سلطات رئيس الجمهورية بشكل كبير، وأتاح له ممارستها دون الرجوع للحكومة (المصدر السابق، ص 166).

- المسئولية الجماعية التضمانية للوزارة، وعدم النص صراحة على مساءلة رئيس الجمهورية سياسيًّا، مع إمكان المساءلة الجنائية، وتحدد المادة 159 تفاصيل ذلك.

- النص في المادة الخامسة على الفصل بين السلطات والتوازن بينها، وهو ما لم ينص عليه دستور 1971م.

أما مظاهر النظام الرئاسي في دستور 2014م فمنها:

- الدور الواسع والهام لرئيس الجمهورية.

- تكليف رئيس الجمهورية في المادة 156 بإصدار قرارات بقوانين بشروط وقيود معينة.

- أجاز لرئيس الجمهورية في المادة 154 إعلان حالة الطوارئ بعد أخذ رأي مجلس الوزراء، وعرض ذلك على مجلس النواب خلال الأيام السبعة التالية.

- أجاز لرئيس الجمهورية في المادة 157 أن يدعو الناخبين للاستفتاء في المسائل التي تتصل بمصالح البلاد العليا فيما لا يخالف الدستور.

فالدستور بذلك يجمع بين النظامين: البرلماني والرئاسي بما لا يمكن معه أن نصفه بأنه نظام برلماني خالص أو نظام رئاسي خالص، فهو مِن النظم المختلطة، ولكنه يرجح دور رئيس الدولة وسلطاته واختصاصاته بالنسبة لمجلس الوزراء ورئيسه، (حتى ليكاد أن يكون رئيس الجمهورية المسيطر على السلطة التنفيذية، والمحرك لها) (المصدر السابق، ص 183).

مِن سلبيات الأخذ بآليات الديمقراطية:

1- عدم التقيد بشروط الشريعة الإسلامية في الترشح لرئاسة الدولة والترشح للولايات العامة واختيار الوزراء والمسئولين في المناصب العليا، وهو باب كبير للفساد، أن يوسد الأمر لغير أهله! ولا يكفي ترك ذلك للناخبين، وإن كان على كل ناخب مراعاة ذلك في اختياراته.

2- مخالفة الشورى في الديمقراطية للشورى في الإسلام، خاصة في أنه لا شورى في أمر نزل فيه الوحي، واتفقت عليه أحكام الشريعة الإسلامية.

3- مخالفات الحريات في الديمقراطية للحريات في الشريعة الإسلامية، فالحريات في الديمقراطية مطلقة في الاعتقاد والعمل والحريات الشخصية والرأي والفكر، والحريات في المجتمع الإسلامي تراعي تقوى الله -تعالى- ومخافته في السر والعلن، ومحكومة بضوابط الشرع وحدوده وآدابه، ويجب الامتثال بها، بخلاف الديمقراطية التي تتلاعب فيها الأهواء بمفهوم الحريات.

4- نتيجة تعدد الأحزاب وتنافسها نتيجة اختلاف برامجها السياسية وأهدافها -أو أطماعها- وبالتالي صراعها المستمر على الحكم، قد تظهر -بل دائما تظهر- صور من الصدام الشرس، من خلال حروب كلامية وإعلامية، وتشهير وتبادل للاتهامات والمبالغة في ذلك، مع التعصب للزعامات والأفراد بالهوى والرأي، دون مراعاة لآداب الإسلام وضوابطه في الخلاف، مما يولِّد الفتن، ويثير الأحقاد والضغائن بين الأفراد والجماعات داخل المجتمع الواحد، وهو بالطبع شر مستطير ينبغي منع وقوعه، ومعالجة آثاره إن وقع.