جمال فتح الله عبدالهادي - أين العقل؟! - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمِن نِعم الله على البشرية: نعمة العقل، فهو محل التكليف ولولاه لرفع التكليف عن الإنسان، فالمجنون والصغير والنائم لا تكليف عليهم، وهذه من سماحة الشريعة، وأجمع العقلاء على أن الإنسان إذا أراد أن يتقابل مع أحد الرؤساء أو الوزراء أو الوجهاء لابد أن يتزين بأجمل وأغلى وأثمن الثياب والزينة، وهذا مباح طالما لم يلبس محرمًا أو يتشبه بالنساء، وهذا حسب عرف كل بلدٍ.

ولو فكر أحد الأشخاص أن يلبس ملابس من قطعتين فقط وبدون حذاء، بل مشاية مقطوعة مِن الخلف، لمقابلة الرؤساء والوجهاء، لقال أصحاب العقول: مجنون! لماذا؟ لأن العقل والعرف والعادة ينكر ويستقبح ذلك!

ونرى كثيرًا مِن الناس يتحكمون في النصوص الشرعية بعقولهم السخيفة، وخاصة أهل الكلام والأهواء، وفرَّقوا الأمة بسبب ذلك، وربما كان الدليل واضحًا وضوح الشمس ولا يستسلم له، بل يقدِّم عقله عليه!

فنقول لهم: تعالوا إلى هذه العبادة الجميلة العظيمة، مسك الختام من أركان الإسلام، وهي فريضة الحج، وما أدراك ما فريضة الحج!

أحد أركان الإسلام الخمسة، وهي واجبة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين في العمر مرة، وما زاد فهو تطوع، وهي عبادة لها شروط وواجبات، وأركان ومواقيت، وسنن ومحظورات ومبطلات، فهل يا ترى نحكم فيها العقل أم الشرع؟

جميع العقلاء يقولون: نحكم الشرع؛ لأنها عبادة، والعبادات توقيفية، نعم صحيح! حتى أهل الكلام ومَن يدعون أنهم عقلانيون يؤدون المناسك دون جدال ولا نقاش، مع أنهم لو حكَّموا العقل هنا لفسدت العبادة.

ما العبرة والفائدة مِن لبس ثيابٍ مِن قطعتين ومشاية مقطوعة من الخلف في هذه الرحلة الجميلة وأنت في زيارة الله -عز وجل- في بيته المحرم؟ عقلًا تلبس أجمل الثياب وأغلاه وأنفسه؛ فأين العقل يا من تدعون العقلانية في كل شيء؟ لكنه الاستسلام والاتباع للنصوص.

ما العبرة بتقبيل حجر ورمي حجر بحجر؟ أين العقل؟ بل هو التسليم والاتباع، قال عمر الفاروق -رضي الله عنه-: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، لاَ تَضُرُّ وَلاَ تَنْفَعُ، وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ" (متفق عليه).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (رواه مسلم)، ورغَّب -صلى الله عليه وسلم- في هذه الفريضة فقال: (تَعَجَّلُوا إِلَى الحَجِّ فإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرُضُ لَهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

وسُئِلَ النبي -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: أَيُّ العَمَلِ أَفضَلُ؟ قال: (إيمانٌ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ) قيل: ثُمَّ ماذَا؟ قال: (الجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ) قيل: ثمَّ ماذَا؟ قَال: (حَجٌ مَبرُورٌ) (متفق عليه).

وَالمَبرُورُ: هُوَ الَّذِي لا يَرْتَكِبُ صَاحِبُهُ فِيهِ معْصِية، وأن مَن أحرم بالحج يجب عليه أن يتجنب الرفث والفسوق والجدال، حتى لا يفسد جحه أو ينقص أجره، وليكون جحه مبرورًا؛ عملًا بقول رسُولَ اللَّهِ -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (متفق عليه).

قال العلماء: الحج المبرور هو الذي لم يعصِ الله -تعالى- فيه أثناء أدائه، وحُف بعملِ الخيرات.

وقال الفراء: "هو الذي لم يعصِ الله سبحانه بعده".

وقال الحسن: "الحج المبرور: هو أن يرجع صاحبه زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة".

ويكفي شرفًا لهذه الفريضة العظيمة، أنها تدخل صاحبها الجنة -بإذن الله-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العُمْرَة إلى العُمْرِة كَفَّارةٌ لما بيْنهُما، والحجُّ المَبرُورُ لَيس لهُ جزَاءٌ إلاَّ الجَنَّةَ) (متفق عليه).

وتُعتِق صاحبُها من النارِ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِنْ يَوْمٍ أَكثَرَ مِنْ أنْ يعْتِقَ اللَّه فِيهِ عبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ) (رواه مسلم).

ولما سئل -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا) (متفق عليه)، وفي الحج يقدم صلاة العصر مع الظهر "يقصر ويجمع"، ويؤخر المغرب مع العشاء جمع تأخير؛ فأين العقل؟ لكنه الاتباع لهديه -صلى الله عليه وسلم-، فمنهجنا تقديم النصوص الشرعية على العقول البشرية.

هذا هو ديننا، انتقال مِن طاعة إلى أخرى، ومن عبادة إلى عبادة، دين واقعى لحياةِ البشرية، وإخراجها مِن الظلماتِ إلى النورِ، ومن الفقرِ إلى الغنى، ومن الضعفِ إلى القوة، تسليم واتباع وإعمال العقل في النصوص الشرعية وتحكيمها لا التحكم فيها! وتقديم النص على العقل، وهذا ليس تسفيه للعقل، بل تقدير له وهو الذي دل على الشرع!

وصدق مَن قال: "مَن قدَّم المعقول على المنقول فهو مخبول!".

والحمد لله رب العالمين.