شريف الهواري - ما أروع الحج! - بوابة الفتح الالكترونية
شريف الهواري
2019-08-09 22:55:28

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما أروع الحج!

هذا الركن العظيم مِن أركان هذا الدين، وكم فيه مِن الدروس والعِبَر، والمواعظ والمواقف والمشاهد، التي هي كفيلة وجديرة أن ترتقي بنا جميعًا بفضل الله -عز وجل-.

يكفينا أن ننظر النظرة الفاحصة لمقاصد الحج سريعًا، لعلها تعيننا على الاستفادة مِن هذا الركن الاستفادة الكاملة بإذن الله -تبارك وتعالى-.

مِن أعظم مقاصد الحج: تحقيق التوحيد في أمثل صوره؛ توحيد المعبود -سبحانه وتعالى-، وتوحيد المتبوع -صلى الله عليه وسلم-، فالحج كله لله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّه) (البقرة:196)، (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) (آل عمران:97)، فهذا خطاب بالإخلاص فيه والتوجُّه به بالقصد والإرادة لله وحده -سبحانه وتعالى-، بل انظر إلى شعار الحج والعمرة: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك"، إقرار بالتوحيد، وأن فضل الله -عز وجل- على مَن حج عظيم، فإن الأمر أمره، والملك ملكه؛ ولذا وجب أن تكون الاستجابة له مرة بعد مرة.

وانظر إلى التوجيه لمتبع الحق في الحج مِن أوله إلى آخره: كأركان، وواجبات، وسنن، لا بد أن يكون وفق هديه -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ) (رواه مسلم)، فهذا إلزام للأمة كما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي) (رواه البخاري)؛ ولذلك تجد الحرص على متابعة السُّنة واضحًا وجليًّا؛ لذلك هذا مِن أجمل المعاني التي ينبغي أن تُراجع.

ونضيف في هذا المعنى: أن معنى التوحيد كما في شعار التوحيد -كما ذكرنا- ومعنى الاتباع، ليس قاصرًا على الحج، بل ينبغي أن يستصحب سواء مِن الحجيج أو مِن غير الحجيج، فيكون هذا ديدننا في جميع أحوالنا.

 كذلك مِن مقاصد الحج -وهو مِن أجمل المقاصد-: تدريب الأمة على السمع والطاعة لله للرسول في كل أحوالها وفي كل شئونها دون تردد أو تلعثم؛ فمِن ساعة الخروج من أوطاننا ومرورنا  على الميقات، توجهنا  الشريعة: قفوا هنا، فيقف الجميع ولا يستطيع  أحد أن يعترض، ثم تقول للرجال: تجردوا مِن ملابس الدنيا التي تميزتم بها فيما بينكم، والبسوا جميعًا ملابس الإحرام المتواضعة التي لا طبقية فيها ولا فوارق، مما  يُذكِّر بالآخرة.

ثم تأملوا جميعًا... يقال مثلًا: هذه سنن الإحرام، فالكل يلتزم، هذه محظورات الإحرام، فالكل يلتزم؛ فترى الجميع يرفع شعار العمرة: "لبيك اللهم عمرة" للمتمتع أو يقال: "لبيك حجًّا وعمرة" أو "لبيك حجًّا" للمفرد، فالكل يسمع ويطيع ثم يتوجه الجميع، فتجد أيضًا الأوامر في الطواف، تكون الكعبة عن يساره، يبدأ من الحجر سبعة أشواط، وتجد السمع والطاعة، فلا أحد يقول: أطوف والكعبة عن يميني أو أن أزيد في الطواف شوقًا للبيت أو أنقص من شدة الإرهاق، فيقال له: لا، تسمع وتطيع، وهكذا.

أيضًا تجد السعي على الصفا والمروة: تبدأ بالصفا بما بدأ به الله: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) (البقرة:158)، ثم تأمل ينتهي على المروة بالشوط السابع، ويؤمر بالحلق أو التقصير، والكل يسمع ويطيع بالنسبة للرجال، وكذا النساء في مساكنهن حتى لا يكشفن على الرجال.

 ثم بعد ذلك يتوجه الجميع في يوم التروية على السنة إلى منى ثم يتوجهون إلى عرفة في صبيحة عرفة، ثم تأمل: في مكان محدود وزمن محدود، والكل يسمع ويطيع، لا أحد يخرج خارج حدود عرفة، فالحج عرفة،  ولا أحد ينزل "ينفر" مِن عرفة قبل الغروب، فالكل يسمع ويلتزم، وهكذا المرور بمزدلفة والمكث بها، أصحاب الأعذار فقط قد يخرجون بعد منتصف الليل، والباقي يجلس حتى أذان الفجر، والكل يسمع، توجهوا إلى منى، يتوجهون يلقون جمرة العقبة الكبرى وحدها في يوم العيد فيرمونها بحصيات معينة بطريقة معينة بوقفة معينة بتكبيرات معلنة، وهكذا هلم جرَّا يجري الحال، يسمع المرء ويطيع في كل المناسك، وهذا تدريب على السمع والطاعة، وما أروع هذا المعنى العظيم وما أجمله!

 ومِن مقاصد الحج أيضًا "والتي ما أحوجنا أن نقف عندها": دعوة مباركة للوحدة والاتحاد، وجمع الشمل، ووحدة الصف، فها هي الأمة دُعيت من كل مكان  فأتت رجالًا وركبانًا مِن كل حدبٍ وصوبٍ، أتت بنية واحدة بشعارٍ واحدٍ: "لبيك اللهم لبيك" بتوجه ونية واحدة، واتباع لنبي واحد.

تجتمع بفضل الله -عز وجل- في مؤتمر الحج الأعظم في اجتماع مهيب؛ لا طبقية ولا فوارق، لا فرق بين غني ولا فقير، ولا بين وزير ولا غفير، ولا بين عربي ولا عجمي، الكل سواسية، في أعظم مؤتمر عرفته البشرية؛ يتبادلون التجارب والخبرات، والنصائح والتوجيهات والإرشادات بالألفة والرفق، واللين والرحمة، والتعاون على البر والتقوى، هكذا في مكانٍ واحدٍ في يومٍ واحدٍ.

انظر إلى هذا المعنى الراقي، ودعوة الأمة إلى الوحدة والاتحاد والألفة، والقضاء على الطبقيات والفوارق حتى تكون لها الهيبة والقوة، وعلى الجملة مقاصد الحج عظيمة وكثيرة، وليس هذا موطنها.