د.محمد إبراهيم منصور - معركة الوعي الحضاري (1) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالوعي الحضاري هو: إدراك المنتمين لتلك الحضارة أن لحضارتهم ماضٍ مشرفٍ، واليقين أن لها مستقبلًا مشرقًا، وإدراك أن واقعهم الحاضر واقع مؤلم؛ لبعده عن مقومات الإحياء الحضاري.

وفي نفس الوقت: إدراك أن الانتقال مِن هذا الواقع المؤلم إلى ذلك المستقبل المشرق لابد له مِن أسبابٍ، وأن كل شخص منتمٍ لهذه الحضارة هو أحد هذه الأسباب، ويلزمه بذل ما يمكن بذله في سبيل ذلك الإحياء.  

وخلاصة المعركة هنا: أن أعداء هذه الأمة يعملون جاهدين لتغييب ذلك الوعي بأبعاده ومعالمه المختلفة، بينما يعمل المخلصون مِن أبناء هذه الأمة المدركون لتلك المعالم والأبعاد على إيقاظ ذلك الوعي وغرسه في النفوس والأجيال.

والحقيقة: أن الغرب يدرك حقيقة أمر الوعي الحضاري وأثره بما لا يدركه كثير مِن أبناء هذه الأمة.

يقول السناتور الجمهوري الأمريكي (بات بوكانان): "إن مسألة عودة الإسلام كنظام حياة، مجرد وقت لا أكثر... ".  

ويضيف: "الحقيقة: أن أمريكا وجيوشها وترساناتها لا تستطيع مقاومة الحضارة القادمة؛ لأن ثبات الإسلام وقدرته على الاحتمال مبهرة حقًّا... فقد تمكَّن مِن الصمود خلال قرنين مِن الحروب المتلاحقة، بل تصدَّى للشيوعية بسهولة عجيبة... وما نراه الآن أنه يقاتل أمريكا آخر قوة عالمية كبرى... ".

يقول السير وليام ناتنج في كتابه (العرب): "بما أن محمدًا قد جمع أتباعه في القرن السابع الميلادي، وبدأ في الانتشار المذهل في العالم، فإن على الغرب أن يحسب حساب الإسلام كقوة دائمة صلبة عنيدة تواجهنا عبر المتوسط".

ولذلك ذكرنا في مقال سابق بعنوان: "عوامل الإحياء الحضاري عند الكلام على عامل الوعي الحضاري": "أن معركة الوعي الحضاري اليوم معركة شرسة، يبذل فيها العلمانيون وأتباعهم بذلًا هائلًا في تشويه التاريخ الحضاري لهذه الأمة لدى الجميع، وخصوصًا أبناء الأمة أنفسهم؛ ليكونوا ناقمين على ماضيهم بدلًا مِن أن يكونوا فخورين به لتجعلهم هذه النقمة حريصين على الهروب مِن ذلك التاريخ، يحاولون طمسه تحت شعارات: تنقية التراث، وتجديد الخطاب، وغيرها مِن الشعارات، ومثل هؤلاء المغيبين المخدوعين لا يمكن أن يعملوا عملًا حقيقيًّا للإحياء الحضاري، وهذا هو المراد للعلمانيين".

معالم الوعي الحضاري:

هذا الوعي الحضاري له معالم:

المعلم الأول: إدراكك "بل وإيمانك": أن حضارتك لها ماضٍ وتاريخ مشرف تفخر به وترفع به رأسك؛ هذا الماضي المشرِّف له ثلاثة أبعاد:

1-المنهج (الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة).

2- الحَمَلة (الصحابة والتابعون وتابعوهم).

3- الأثر (أقاموا حضارة أنارت الدنيا قرون عديدة).

أي تشكيك في شيءٍ مِن هذه الأبعاد هو محاولة للتغييب للأمة، وإبعاد لها عن طريق الإحياء الحضاري؛ ولذلك فإن الوعي الحضاري أن تفخر بذلك الماضي المشرف بأبعاده الثلاثة، وترفع به رأسك رغم أنف مَن يحاول أن يشوِّه ذلك التاريخ مِن معتنقي نظرية صراع الحضارات وأذنابهم ممَن يصرون على تشويه المرجعية التي قامت على أساسها تلك الحضارة، كما يصرون على تمييع ثوابتها وعوامل تميزها وتفردها، ويصرون أيضًا على إخفاء آثارها وفضائلها وآثارها على الإنسانية، ويختزلونها في تاريخٍ مزيفٍ مكذوبٍ؛ ليصرفوا الناس عمومًا وأبناء هذه الأمة خصوصًا عن العمل على إزاحة الغبار عنها، ورؤيتها على حقيقتها المبهرة التي إذا رأوها على النحو الصحيح كانت العامل الملهم لهم؛ للعمل على إحيائها والاعتزاز بها.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.