د. خالد آل رحيم - الحج وأهمية الوقت - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2019-08-22 18:07:00

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتعتبر فريضة الحج المدرسة العليا في الالتزام بالوقت وعدم هدره والعناية به، والمتأمل في هذه العبادة الجليلة يجد هذا ظاهرًا جليًّا، فما مِن خطوة يخطوها الحاج إلا وتكون محسوبة مكانيًّا وزمانيًّا، وهذه رسالة من الله -تعالى- للإنسان أنه لم يُخلق عبثًا أو سدى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون:115)، (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة:36).

وإنما الله -تعالى- خلق الكون بقدرٍ محسوب، بما في ذلك الإنسان المسلم المكلف بهذه العبادة؛ فيبدأ المسلم هذه العبادة بالنية والإحرام، ويُحدد ذلك بزمن محدد، ومكان محدد لا ينبغي تجاوزه أو تخطيه، ولو فعل ذلك يكون قد أتى بما يخالف نسكه ويؤمر بالعودة للبدء مِن جديد، وقد وقَّت المصطفى -صلى الله عليه وسلم- هذه المواقيت، فقد صح عنه أنه وقَّت لأهل النواحي كلها المواقيت الخمسة المعروفة، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ -وهي تسمى الآن أبيار علي-، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ -وتسمى الآن رابغ-، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ -وهو المسمى بوادي قرن يسميه بعض العامة السيل-، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ"، وفي رواية: "أن ذات عرق لأهل العراق".

فهذه خمسة مواقيت جاء في حديث ابن عباس: "هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا"، فذو الحليفة للمدينة ومَن أتى على طريق المدينة، والجحفة -والآن يحرم الناس من رابغ قبلها بقليل- ميقات لأهل الشام ومصر، والمغرب والسودان كلهم من هذا الميقات، فميقات أهل السودان الجحفة إذا حاذوها من طريق البحر أو من طريق الجو أحرموا؛ إلا أن يأتوا مِن طريق المدينة فإنهم يحرمون مِن أبيار علي من ذي الحليفة، وإذا أتوا من طريق نجد أحرموا من ميقات أهل نجد، وادي قرن -السيل- وإن أتوا من طريق اليمن كذلك، يلملم، أو من طريق العراق ذات عرق.

وتُعد هذه نقطة الانطلاق التي يبدأ منها الحاج التلبية، والتسبيح والتهليل والتكبير؛ لتهيئة نفسه للدخول في تأدية باقي أركان الحج، ثم يأتي ليطوف بالبيت بمجرد دخوله مكه ملتزماً بعدد أشواط محددة لا يجوز لها زيادتها أو نقصانها وبصفة للطواف معروفة؛ فلا ينبغي للعقل أو الهوى أن يتدخل فيها ثم يذهب للسعي كذلك ملتزمًا بوقت محدد، وبمكان وبصفة محددة بين الصفا والمروة (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة:158).

ثم يأتي يوم التروية فيُحرم، ثم يتجه إلى مِنَى مِن صباح اليوم الثامن لذي الحجة إلى فجر يوم عرفة، ويكون مكوثه فيها في وقت معروف ومكان محدد لا ينبغي الخروج عنه لمن ذهب، وإن كان الجلوس في مِنَى مِن السُّنة.

ثم يذهب يوم التاسع إلى عرفة مِن بعد الفجر إلى غروب شمس يوم التاسع، ولا ينبغي للحاج أن يترك عرفة قبل الغروب؛ التزامًا بالوقت والمكان؛ ليكون قد أدَّى الركن الأكبر مِن أركان الحج، ولو خالف ذلك بطل حجه، وهذا دليل على عظمة وأهمية الوقت الزماني والمكاني ثم يذهب بعد غروب الشمس إلى المشعر الحرام (مزدلفة) ليبيت بها الليل (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (البقرة:198)، وكذلك المبيت في المشعر الحرام محدد بوقت ومكان لا ينبغي تجاوزه، ويخرج منها بعد صلاة فجر يوم الأضحى (المشعر الحرام) ثم يخرج منها إلى رمي جمرة العقبة الكبري في وقت محدد ومكان محدد، وبحصيات معدودة لا ينبغي تجاوزها ثم يكمل باقي النسك حتى اليوم الثاني يذهب لرمي الجمرات الصغرى والوسطى والكبرى مِن بعد الزوال من أول أيام التشريق ولمدة ثلاثة أيام لمَن لم يتعجل، ويومان لمن تعجل، ولا يستطيع أن يقدم وقت الرمي قبل الزوال أو بعده إلا لمن له رخصة ككبار السن والضعفاء، وإن كان الأصل الالتزام بوقت الرمي من بعد الزوال إلى منتصف الليل ولمده ثلاثة أيام وبحصيات معدودة.

ثم يطوف الوداع، وبذلك يتم نسكه والمتأمل في هذه العبادة يجد هذا الشيء البديع وهو الالتزام بالوقت المحدد لأداء العبادة والالتزام بمكان العبادة وحدودها، وهذا درس عظيم من المولى تعالى لهذه الأمة بأنها أمة الالتزام، وأنها لن تعود لسابق عهدها وقيادتها وريادتها للأمم إلا بالعودة إلى الالتزام؛ ليس بالوقت فحسب، وإنما بكل ما أمر به المولى -تعالى-.