د. ياسر برهامي - ذكريات (6) - بوابة الفتح الالكترونية
د. ياسر برهامي
2019-08-22 18:19:06

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد كانت قضية سفك الدماء خَطَرًا ماثلًا أمامنا في كل مراحل دعوتنا، وزاد حذرنا مِن هذا الخطر بعد الثورة، ولا تزال قراراتنا ومواقفُنا تُراعِي هذا الأمر؛ كيف لا وقد عَظَّم النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أمر الدماء أيما تعظيم، فقال في خطبة عرفة -أول ما قال بعد الحمد والثناء على الله عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) (رواه مسلم)، وأَكَّدَ هذا المعنى في يوم النحر.

وكان حُكْمُنا على المجتمع -بأن الأصل في أهله الإسلام، وأن غير المسلمين فيه مُعَاهدون أو مُستَأمنون- يُلْزِمنا بان لا نباشِر أو نأمر أو نبيح أو نتسبب أو نرضى بسفك دماء معصومة؛ بخلاف توجهاتٍ أُخَر منتسبة إلى العمل الإسلامي تَرى كُفر الناس أصلًا، أو ترى المجتمع جاهليًّا؛ أكثرُ أفرادِه لا يُحكم عليهم بكُفرٍ ولا إسلام، بل في الطبقة المتميعة التي لا يَشغلون أنفسَهم بالحُكم عليها مع وجود طبقةٍ كافرةٍ مُحَارِبَة للدين؛ فلهذا لا يرون حُرمةً لدماء هؤلاء وهؤلاء وأموالِهم.

وقد ظَهَر هذا الأمر في بداية الثورة؛ حيث كان البعض يَرى أن الثورات لا بد أن تُراق الدماء لتُشعِلها! ويرى ذلك ضرورة لوجودها واستمرارها! ونحن نرى أن زوال السماوات والأرض أهون على الله مِن سفك دم امرئ مسلم كما أَخْبَر النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك؛ فكان سَعيُنا من البداية في درء فتنة سفك الدماء من خلال الاستفزاز للقتل ثم المُطَالَبَة بالقصاص! فندخل في الدائرة المفرغة التي لا تنتهي إلا بخراب البلاد وتدميرها وتحصيل الفوضى فيها، وهو ما كان يراه البعض هدفًا لكي يعيد بناءها مِن جديد -"على نظيف" كما يزعمون!-، ومَا دَرَى هؤلاء أن هذا عبر التاريخ لم يحدث، وبالموازين الشرعية لا يجوز؛ لأن مفسدة الصبر على الفساد أقل مِن مفسدة الفوضى وتخريب البلاد التي إذا انهارت بَقِيَت عُقُودًا من الزمان -وربما قرونًا- حتى تُبنى، وربما لم تُبْنَ أصلًا، بل انقسمت وضاعت، وصارت حديثًا مِن التاريخ!

ولقد سعينا مِن البداية في حل مشكلة مَن سقطوا في بداية المظاهرات مِن خلال الحَلِّ الشرعي بدفع الدِّيَة؛ خاصةً أن القاتِل مجهول العين، ولا يمكن مع هذا الجهل القصاص، والصحابة في قتال الفتنة لم يُطالبوا بالقصاص، وقد أُجهِضَت هذه المحاولات بعد أن أوهم المُغرِضون أولياء القتلى أن قبول الدِّيَة بيعٌ لدم ابنهم أو ابنتهم لا يجوز! وأن مَن قَبِل الدية فهو مضيعٌ لِحَقِّ الشهداء، عميلٌ للسلطة الظالِمة أو الكافِرة -على حد توصيفهم!-.

وقد قَبِل الكثيرون ما عرضناه من أمر الديات؛ إلا أن القِلَّة الرافِضة جعلتهم في حَرَجٍ بالِغ فسرعان ما تراجعوا عن قبولهم، على الرغم مِن أن القرآن نَصَّ على قبول الدية في القتل العمد المعلوم فيه عَين القاتل المستوفي شروط القصاص، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:178)، فسَمَّى اللهُ قبول الدية وأداءها عفوًا ومعروفًا، وإحسانًا وأُخُوَّةً وتخفيفًا ورحمةً، وكلها أوصاف مُرَغِّبَة، ولم يصف هذا الأمر بخيانة أو بيع للدم أو تضييع للمبادئ! أو غير ذلك مما استعمله هؤلاء المُغْرِضون، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وكانت جهودنا بعد ذلك في أحداث "محمد محمود" ومحاولات الفصل بين الأطراف المتنازعة، وبذل كل جهد في محاولة إنهاء الاعتصام ومنع تفاقم الأمر، وكانت مبادرتنا بعد ذلك قبل إعلان نتيجة انتخابات الرئاسة سنة 2012م بعد أن بدأ الإخوان النزول في الشوارع مهددين بأنه إذا لم يتم إعلان فوز الدكتور "مرسي"؛ فلن يمر الأمر بسلام، ولاحت في الأُفُق مخاطر سفك الدماء بكثافة، ولعله أن يأتي في المستقبل شرح هذه المواقف بتفاصيلها، وكان موقفنا الرافض للمشاركة في المظاهرات التي دعت إليها "تمرد" في "30/6" والمُطَالَبة بالتغيير بالطرق السلمية والتواصلات السياسية.

كان هذا الموقف منبعه أساسًا مِن قضية منع سفك الدماء؛ فهذا الذي كان يُحَرِّكنا في ذلك الوقت وقبله وبعده.

ثم تأتي مأساة "رابعة" علامة مميزة وفَارِقة بيننا وبين اتجاهاتٍ كثيرةٍ مُنتَسِبة للعمل الإسلامي، ورغم جهودنا التي بذلناها لمنع تكوين الاعتصام ابتداءً -لِمَا نعلم مِن آثاره السلبية على البلاد كلِّها وعلى الحركة الإسلامية خصوصًا-، ثم في محاولات الفَضِّ السِّلمي دون إراقة الدماء؛ رغم ذلك فإن التُّهَم إلى يومنا هذا لا تزال تنهمر علينا بأن الدماء في رِقابنا، وأن أيدينا ملوثة بدماء الشهداء! وأننا قَتَلةٌ مُشارِكون في القتل! وكذا تُهَم الخيانة والنِّفاق والكفر -حسب درجات الانحراف عند مَن يُلْقِيها-.

والعجب كل العجب؛ كيف يُتَّهَم بذلك مَن لَم يُباشِر قتلًا، ولم يَأمر به، ولم يَتَسَبَّب فيه، ولَم يَرضَ به؛ بل نهى عن ذلك كل الأطراف وتَبَرَّأ من سفك الدماء بغير حق؟! ولكنها "اللطمِيَّة" التي يُحَاوِل البعض إِبقاءَها وإِحياءَها، كما فَعَل "الشيعة" مع مأساة قتل الحُسَين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مظلومًا شهيدًا، وإحياء عاطفة "المظلومية" عبر الأجيال، مع إلقاء التُّهَم على "أهل السُنَّة" وتحميلهم دم الحسين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ ويشهد الله أنهم أبرياء منه حين حاوَلوا مَنْعَه مِن الخروج حرصًا عليه، وخوفًا عليه مِن هذا المصير الأليم، وأبرياء مِن قَتلِه حين قُتِل بعدم المُعَاوَنَة والمُشَارَكَة والرضا بقَتلِه، وأبرياء مِن قَتلِه بعد أن قُتِل بِذَمِّ مَن قَتَله -مُبَاشَرَةً أو تَسَبُّبًا- كما قال ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِمَن سأله مِن أهل العرق عن دم البعوض: "انظُروا إلى أهل العراق، يَقتلون ابن بنت رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثم يَسألون عن دم البعوض!"؛ فنَسَب إليهم قَتل الحسين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ لأنهم هم الذين حَرَّضُوه على الخروج، ووَعَدُوه بالباطِل والكَذِب، ثم أسلموه لقَاتِلِيه المُبَاشِرين لقتله.

ومع ذلك لَم يَقبل الصحابةُ وأهلُ السُنَّة خيارَ هَدم البلاد وتحويلها إلى حرب أهلية وفِتَنٍ بعد قتل الحسين -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ظلمًا وعُدوانًا؛ لأن في ذلك مزيدَ الفساد، وتضاعف الضرر على المسلمين.

وسنذكر بالتفصيل جهودنا في محاولة منع سفك الدماء في "رابعة" -التي نسأل الله تعالى أن يجعلها في ميزان حسناتنا- في المقال القادم -إن شاء الله-.