سعيد محمود - صفات عباد الرحمن (1) العبودية - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-08-27 21:29:20

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الغرض مِن الموعظة:

- هي سلسلة مواعظ، الغرض منها تعريف المسلمين بالصفات التي تؤهلهم لدخول الجنة.

المقدمة:

- ذكر الآيات التي تحمل الصفات: قال الله -تعالى-: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا . إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا . وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا . وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا . وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا . أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا . خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا . قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ) (الفرقان:63-77).

مناسبة الآيات:

قال القرطبي -رحمه الله- في التفسير: "لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة، ذكر عباده المؤمنين أيضًا، وذكر صفاتهم، وأضافهم إلى عبوديته تشريفًا لهم".

- الإشارة إلى الصفات التي اشتملتها الآيات: (العبودية - التواضع - الحلم - قيام الليل - الخوف من الله - الاعتدال في الإنفاق - تحقيق التوحيد - تعظيم حرمة الدماء - اجتناب الفواحش - المواظبة على التوبة - اجتناب الزور - الإعراض عن اللغو - المسارعة في الاستجابة - إصلاح الأهل والذرية - انتظار الجزاء الصالح في الأخرة).

الصفة الأولى: العبودية:

- الإشارة إلى أن هذه عبارة يسيرة في سياق وعظي لبيان قضية العبودية، وكيف أنها أم الصفات الآتية.

- الإشارة إلى مجمل كلام المفسرين حول عطف جميع الصفات على العبودية: قالوا: "لما ذكر الكفار بالفظاظة والغلظة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعداوتهم له ومظاهرتهم على خالقهم، وختم الحديث عنهم وعن عدم انتفاعهم بالآيات الكونية، فعباد الشيطان لا يتذكرون، ولا يشكرون لما لهم مِن القسوة، عطف على هذا المقدّر أضدادهم واصفًا إياهم بأضداد أوصافهم مبشرًا لهم بضدِّ جزائهم، فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَن... ) فأضافهم إليه رفعة لهم، وإضافتهم إلى صفة الرحمن أبلغ عندما أنكر الكفار هذه الصفة".

- الإشارة إلى تناول الحديث من خلال ثلاثة عناصر وخاتمة، هي ثلاث مسائل في قضية العبودية.

(1) العبودية صفة الخلق جميعًا:

- الخلق جميعًا مؤمنهم وكافرهم، حيوانهم وجماده، عبيد لله طوعًا أو كرهًا، فهو سبحانه رب العالمين، وخالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، ومقلب قلوبهم، ومصرف أمورهم، لا رب لهم غيره ولا مالك لهم سواه، ولا خالق لهم الا هو، سواء اعترفوا بذلك أو أنكروا، وسواء علموا ذلك أو جهلوه: قال الله -تعالى-: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (آل عمران:83)، وقال: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) (مريم:93).

- المؤمن عابد لله -عز وجل- طوعًا "فهو يقوم بواجب العبودية الشرعي"، والكافر معبد مذلل مقهور لله كرهًا "فهو يرفض العبودية الشرعية ويتمرد عليها" وإن أقر بالعبودية الكونية: قال -تعالى- عن الفراعنة: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل:14)، وقال عن كفار أهل الكتاب: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:146)، وقال عن كفار قريش: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ) (الأنعام:33)، وقال عن الكفار عمومًا: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ) (يوسف:106).

(2) العبودية وظيفة العمر:

- العبودية أعظم قضية؛ لأنها وظيفة الإنسان في الدنيا: قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56)، وقال: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99).

- أعان الله الإنسان على العبودية بأن فطره عليها: قال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ) (الأعراف:172)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ) (متفق عليه).

- ثم أرسل إليه الرسل ليذكروه بذلك وليثبتوا على العبودية: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل:36).  

- الذين غيَّروا فطرة العبودية، تبقى آثارها في نفوسهم بما يدل على حاجتهم إلى التعبد والتأله، وأكثر ما يظهر ذلك في الغفلات وعند الشدائد والمحن: (انظر إلى الشيوعيين الملاحدة، فإنهم يمارسون التعبد الباطل وهم لا يشعرون، ويناقضون أنفسهم، فإنهم إذا مروا أمام الجثة المحنطة لمؤسس الشيوعية "ستالين" في الميدان الأحمر في ذكرى وفاته، لا بد من الانحناء وإظهار الخشوع والتذلل!)، وقال -تعالى- عن المشركين في المحن: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ) (العنكبوت:65).

(3) مفهوم العبودية لله -عز وجل-:

- العبودية تقتضي اجتماع الحب والذل والخضوع لله -عز وجل-، وكلما زادت هذه المعاني زادت العبودية وزاد قدر العابد: قال -تعالى-: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب) (العلق:19)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ الْعِبَادَةُ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، وهذا لما يشتمله مِن هذه المعاني. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ... ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني)، وفي حديث مقتل عمر -رضي الله عنه- قال لابنه: "ضَعْ خَدِّي عَلَى الأَرْضِ، فَقُلْتُ: وَمَا كَانَ عَلَيْكَ كَانَ فِي حِجْرِي أَوْ عَلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ: ضَعْهُ لا أُمَّ لَكَ، فَوَضَعْتُهُ، فَقَالَ: وَيْلِي، وَيْلٌ لأُمِّي إِنْ لَمْ يَرْحَمْنِي رَبِّي" (المحتضرين لابن أبي الدنيا).

- ولذا كان وصف العبودية أعظم تكريم للإنسان، فقد وصف  الله به صفوة البشر: فقال -تعالى-: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:171)، وقال عن صفوتهم: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِه... ) (الإسراء:1)، وقال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ) (الكهف:1)، وقال: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ) (الفرقان:1).

- فليحذر الإنسان أن يجمع هذه المعاني للمخلوق، وإلا تسرب الشرك مِن حيث لا يدري: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ) (رواه البخاري)(1).

(4) خاتمة: أهمية الترقي في وظيفة العمر:

- كثير من الناس يرضى بالدون في وظيفة العمر العظمى: "العبودية"، ولا يرضى بذلك في وظائف الدنيا، فيجعل العبودية محصورة داخل المسجد ويفصلها عن الحياة أو يقيم مِن العبودية أركان العبادات دون ما يتفرع منها مِن عبادات، في الوقت الذي لا يرضى إلا بأعلى الدرجات في وظائف الدنيا، ولا يرضى من الدنيا بمسكن ذات أعمده فقط! قال -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام:162-163).

- ينبغي أن تعمل للترقي في وظيفة العمر التي آثارها باقية تدوم، كما تسعى في الترقي في وظيفة الدنيا التي آثارها فانية ولا تدوم: "صنعَ ملك مِن ملوك الدنيا قصرًا عظيمًا ثم دعا الناس للنظر إليه، ووعد مَن يرصد فيه عيبًا بجائزة قيمة، فجاء الناس فجعلوا ينظرون ويعجبون ولا يستطيعون استخراج عيبٍ واحدٍ، حتى جاء رجل فنظر فقال للملك: إن فيه عيبين عظيمين! فقال الملك: وما هما؟ قال: مالكه سيموت، والقصر سيفنى، ليس غير الله يبقى، قال -تعالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران:185)، وقال سبحانه-: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) (الرحمن:26)"(2).

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم يقل -صلى الله عليه وسلم-: "تعس جامع الدينار" وإنما عبَّر بالعبودية؛ لأنه جمع معانيها لهذه الأشياء بدرجةٍ أو بأخرى، أو أنه عظم حبه لهذه الأشياء، فجعله يذل ويخضع لأسبابها التي تؤدي به إلى الشرك، وفيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) (رواه مسلم).

(2) انظر رسالة العبودية لشيخ الاسلام ابن تيمية، ورسالة العبودية وظيفة العمر لشيخنا د. ياسر برهامي، ففيهما المزيد.