د. علاء بكر - الفساد (25) - بوابة الفتح الالكترونية
د. علاء بكر
2019-08-28 19:47:25

منظمات المجتمع المدني أداة للإصلاح والتغيير أم وسيلة للإفساد؟ (1-3)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما بين أصحاب السلطة في قمة الدولة وبين الأسرة التي هي أصغر لبنة في المجتمع، توجد الكثير مِن الجماعات والجمعيات والتنظيمات التي تشغل المجال الكائن بين السلطة والأسرة، يُطلق عليها مصطلح: (المجتمع المدني)، والذي مِن مهامه -في المفهوم الغربي-: الوقوف إلى جانب أفراد المجتمع ككل -أو بعض فئاته- في مواجهة تعسف وظلم السلطة في النظم الديكتاتورية، أو السعي إلى إحداث التغيير والتوجه الإصلاحي نحو الديمقراطية في النظم الاستبدادية، أو تقوية التوجه الديمقراطي الموجود في النظم الأخرى.

ووجود هذه التجمعات فعليًّا يتوقف على الهامش المتاح لها، فهو معدوم في الأنظمة الشمولية والديكتاتورية، وهو هامش محدود في ظل النظم الاستبدادية، وهو أفضل حالًا مِن جهة الكم وحرية التحرك في النظم التي تأخذ بالديمقراطية.

والمجتمع المدني معروف مِن قديم الزمان في فكر الفلاسفة القدامى، وفي واقع العديد مِن الأمم، ولكنه توارى -خاصة في أوروبا- في ظل الاستبداد السياسي والإقطاعي الذي ساد أوروبا في القرون الميلادية الوسطى -عصور التخلف والانحطاط هناك-، ثم عاد بمفاهيم جديدة مع النهضة الأوروبية الحديثة ليتناسب مع الترويج للديمقراطية ثم للعولمة، خاصة مِن خلال علم الاجتماع السياسي ومفكريه، ومن خلال النشطاء السياسيين.

وقد تعاظم دور المجتمع المدني عالميًّا بعد التسعينيات من القرن العشرين عقب سقوط الاتحاد السوفيتي ومَن كان يدور في فلكه مِن نظم شمولية؛ خاصة دول أوروبا الشرقية، ودول أمريكا اللاتينية.

ونظرًا لأهمية تحديد ملامح منظمات المجتمع المدني، وبالتالي قياس وتقييم أدوارها؛ كان مِن الأهمية بمكان التوافق بقدر الإمكان حول تعريف المجتمع المدني وبيان مكوناته.

ما المراد بالمجتمع المدني؟

المجتمع المدني: "هو مجموعة التنظيمات التطوعية المستقلة ذاتيًّا، التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة، وهي غير ربحية، تسعى إلى تحقيق منافع أو مصالح للمجتمع ككل، أو بعض فئاته المهمشة، أو لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة بقيم ومعايير الاحترام والتراضي، والإدارة السلمية للاختلافات والتسامح وقبول الآخر". وهذا يعني أن لتنظيمات المجتمع المدني سمات تتصف بها، إن فُقدت سمة منها خرجت بها عن اسم المجتمع المدني وعن الانتماء إليه.

ومِن هذه الصفات:

1- أنها مستقلة عن الأجهزة الحكومية.

2- أنها تطوعية، أي: الانضمام لها هو فعل حر تطوعي، لا بجبر أو فرض، بخلاف العضوية والانتماء للأسرة أو القبيلة أو العشيرة، فالفرد عضو فيها بلا اختيار منه؛ لذا فالأسرة ليست من تنظيمات المجتمع المدني.

3- أنها جزء منظم من المجتمع؛ وبالتالي فهي تعمل وفقًا لشروط وقواعد ترتضيها.

4- أنها تدير شئونها مِن خلال آليات ذاتية محددة.

5- أنها غير هادفة للربح، وهذه سمة أساسية في التعريف، وإذا حققت أرباحًا أو دخلًا من خلال بعض أنشطتها، فيوجَّه ويقدَّم لأنشطةٍ أخرى للمنظمة، ولا يوزع على مجالس الإدارة أو أعضاء المنظمة.

6- أنها تهدف إلى تحقيق النفع العام للمجتمع ككل، أو تحقيق مصالح لفئة أو لبعض فئات مهمشة في المجتمع، أو مظلومة، أي: تسعى للتعبير عن مصالح أعضائها.

7- أنها لا تسعى إلى السلطة، فهي لا تقوم بنشاط سياسي، ولا تتبع حزبًا من الأحزاب؛ لذا لا تدخل الأحزاب السياسية ضمن مكونات المجتمع المدني، كما أنها لا تقوم بوظائف المؤسسة الدينية.

8- أنها تقوم على الاحترام المتبادل حتى مع اختلاف الآراء، مع تقبل فكرة التوافق والتراضي والإدارة السلمية للاختلافات، باعتبار ذلك جوهر الديمقراطية والثقافة المدنية.

وحدات المجتمع المدني:

المراد بوحدات المجتمع المدني: مجموع الوحدات المتنوعة التي تتشكل منها منظومة المجتمع المدني وتتطابق مع تعريفه، وهناك حاليًا وحدات متفق عليها، وهناك وحدات تم استبعادها، فمِن الوحدات المتفق عليها: المنظمات غير الحكومية - المنظمات الحقوقية - منظمات الأعمال - الاتحادات العمالية - الجماعات المهنية (كالنقابات) - النوادي الاجتماعية والرياضية غير الربحية - الجامعات غير الربحية (بمعايير تبعدها عن قطاع الجامعات الخاصة).

وقد ثار الجدل حول بعض الجماعات المهنية، منها:

1- بعض النقابات التي تكون العضوية فيها إجبارية لممارسة المهنة كنقابة الأطباء، فليس الانضمام لها أمرًا تطوعيًّا حرًّا، بل هو جبرًا، فهي تفتقد أحد معايير المجتمع المدني، ونظرا لدورها المهم الفعال في عملية التحول الديمقراطي، فتم ضمها إلى الجماعات المهنية في المجتمع المدني، واعتبارها حالة حدية، تقع تحت مصطلح (الجماعات الرمادية) أو في (المنطقة الرمادية).

2- النقابات العمالية والاتحادات العمالية في أغلب الدول العربية تفتقد -رغم أن العضوية فيها اختيارية- شرط الاستقلالية عن الدولة وفقًا للتشريعات القائمة بتلك الدول، والتي تسمح بالتعيين في بعض المواقع القيادية في النقابات العمالية، ولا تخلو مِن تدخل الدولة في انتخاباتها أو توظيف أدوات للسيطرة عليها، وقد ضُمّت أيضًا لأهمية دورها كحالة حدية إلى المجتمع المدني (في المنطقة الرمادية).

3- كما ثار الجدل حول النوادي والجامعات غير الربحية فلا يعد ضمها لمكونات المجتمع المدني أمرًا مطلقًا؛ إذ قُيِّد بقيودٍ، منها: حجم الاشتراكات للعضوية فيها، ومدى استقلاليتها عن الحكومة وابتعادها عن مؤسسات القطاع الخاص، واشتراط توجيه ما قد يتحقق لها مِن أرباحٍ أو فائضٍ إلى تطوير نشاطها الرياضي أو الاجتماعي أو العملية التعليمية فيها؛ فلا توزع الأرباح على ملاكها أو مجالس إدارتها.

ومِن الوحدات التي تم استبعادها من المجتمع المدني:

1- الأحزاب السياسية: فرغم أهميتها فقد تم استبعادها مِن دراسات المجتمع المدني لسببين: الأول: سعيها للسلطة، إذ يشترط في مكونات المجتمع المدني عدم الانخراط في السياسة. والثاني: خشية تأثيرها على المجتمع المدني نفسه والتضييق عليه وتقييده حال وصولها للسلطة.

2- وسائل الإعلام: إذ الغالب فيها أنها تكون إعلامًا حكوميًّا فتفقد استقلالها بذلك، وقد تكون حزبية فتفقد استقلالها أيضًا تحت تأثير التيار السياسي الغالب عليها، وقد تكون خاصة فتكون ساعية للربح. ولأهميتها فيتم دراستها كأحد الشركاء للمجتمع المدني.

3- الحركات الاجتماعية: والتي مع أهمية دورها وعلاقاتها التفاعلية مع منظمات المجتمع المدني فهي تفتقد عنصر التنظيم من جهة، وتفتقد عنصر الاستمرارية والاستدامة من جهة أخرى؛ إذ سرعان ما تنفض بعد تحقيق هدفها أو انتهاء الحدث الذي ظهرت معه أو مِن أجله.

وفي المقابل: فقد تقوم بعض شركات القطاع الخاص بتأسيس منظمة غير ربحية تتجه للنفع العام، سواء كانت جمعية أو مؤسسة، فإنها تدخل في نطاق منظمات المجتمع المدني إذا توفرت فيها شروط منظمات المجتمع المدني الأخرى: كالإدارة الذاتية والاستقلالية، وعدم الانخراط في العمل السياسي (راجع: الموسوعة العربية للمجتمع المدني، إشراف د. أماني قنديل، ط. مكتبة الأسرة 2008م، ص: 63 - 67).

تصنيف منظمات المجتمع المدني:

رغم أهمية تصنيف منظمات المجتمع المدني حيث يبنى على هذا التصنيف معرفة بيانات هذه المنظمات وتحديد أنشطتها وإسهاماتها، وبالتالي القدرة على تقييم هذه المنظمات وأنشطتها ومتابعتها، ورغم وجود عدة أنواع للتصنيف متعارف عليها عالميًّا؛ إلا إننا في المنطقة العربية نفتقد التوافق حول منهجية قادرة على الوقوف على مجالات نشاط منظمات المجتمع المدني والمنتفعين بها لأمورٍ، منها:

- إن التصنيف التقليدي المعتمد لدى الجهات الحكومية (وزارة الشئون الاجتماعية) غير قادر على الوقوف بدقة على مجالات نشاط منظمات المجتمع المدني؛ إذ إنه يقتصر على الجمعيات الأهلية والمنظمات الأهلية، إذ كانت هي الأغلب في المكون الرئيسي للمجتمع المدني في المنطقة العربية، كما أنه يخلط بين مجالات النشاط وبين الفئات المستهدفة.

- إن القانون لا يُلزِم المنظمات بإشهار مجال نشاطها الغالب؛ لذا فيتم تسجيل أنشطة متعددة للجمعية الواحدة، قد تبتعد عن مجال التخصص الرئيسي لهذه الجمعيات.

وعلى ذلك فإن نظام التصنيف العربي لمنظمات المجتمع المدني يحتاج إلى تطوير كبير ليميز بدقة بين أنماط ومجالات وأنشطة منظمات المجتمع المدني، وكذلك الفئات المستفيدة منها.

ومِن أشهر أنشطة منظمات المجتمع المدني:

أنشطة المنظمات الخيرية - الخدمات الاجتماعية - المنظمات المهنية والعمالية ومنظمات الأعمال - المنظمات الدينية - البيئة - الصحة - التنمية والإسكان - الحقوق والدفاع - المنظمات الدولية غير الحكومية - الثقافة - التعليم والبحث.

المنظمات غير الحكومية:

هي دائرة من دوائر منظمات المجتمع المدني، لم تُعرف بهذا الاسم إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، ثم انتشر مصطلح المنظمات غير الحكومية بشكل عام بعد تأسيس منظمة الأمم المتحدة، وقد بدأ عملها خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر وخلال القرن التاسع عشر بالتركيز على القضايا المحلية ومكافحة العبودية وتجارة الرقيق، وفي تعزيز السلام وتأمين حقوق العمال، ثم تطور دورها خلال النصف الأول من القرن العشرين ليشمل القضايا الدولية وحل النزاعات من خلال التعاون مع الحكومات والوكالات الدولية.

وفي الستينيات حققت المؤسسات الدولية خطوات مِن النمو وإن كانت بطيئة، كما تلقت المساعدات والمعونات من مصادر مختلفة، حيث عملت كوسيط ناقل للتنمية.

وفي الثمانينيات توسعت في أعمالها، وبرز دورها كجهات مانحة.

وفي التسعينيات وما بعدها ظهرت لها مفاهيم جديدة في النظرية التنموية، حيث اُعتبرت المحرِّك الأمثل في تحقيق التنمية، وقد ارتبطت تلك الفترة بتغيرات وتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية لدى منظمة الأمم المتحدة خاصة مع الدخول في الألفية الثالثة.

وتدل الأرقام على حجم التطور الكبير في حصة المنظمات غير الحكومية، فبعد أن كان إجمالي المعونة الدولي لا يتجاوز المليار دولار عام 1970م، ثم 4 مليارات عام 1985م، فقد قفز الرقم إلى 12 مليار عام 1993م، ليصل إلى 30 مليار دولار في الألفية الثالثة كما تشير إليه بعض التقديرات.

ومِن الملاحظ: التوسع في عمل هذه المنظمات غير الحكومية في دول العالم الثالث التي كانت في الماضي القريب مقتصرة على القطاع الرسمي لدولها، وقد مهد لهذا التطور التوجه نحو الحد من دور الدولة والتدخل المركزي فيها، وإعادة الهيكلة الاقتصادية لتلك الدول، وزيادة دور القطاع الخاص فيها، مما أثر على الفئات الاجتماعية المهمشة، ورفع دور المجتمع المدني والتي تعد المنظمات غير الحكومية جزءًا منه.

وقد عرَّفت منظمة الأمم المتحدة المنظمات غير الحكومية بأنها: "مجموعات تطوعية لا تستهدف الربح، ينظمها مواطنون على أساس محلي قطري أو دولي، ويتمحور عملها حول مهام معينة، يقودها أشخاص مِن ذوي الاهتمامات المشتركة، وهي تؤدي طائفة متنوعة من الخدمات والوظائف الإنسانية، وتطلع الحكومات على شواغل المواطنين، وتساعد على ترشيد وتشجيع المشاركة السياسية على المستوى المجتمعي".

إن مِن السمات الأساسية للمنظمات غير الحكومية أن لها هيكلًا رسميًّا، وتتسم أنشطتها بالاستمرارية، وهي مستقلة، لا علاقة لها هيكلية بالحكومة، حتى وإن كان لها الحصول على مساعدات مالية أو فنية منها، وهي بالطبع غير هادفة للربح، وهي ذاتية الحكم تحكم نفسها بنفسها من خلال إجراءات داخلية، وهي تطوعية في القيام بأنشطتها، وهي غير سياسية وغير دينية، رغم ما قد يكون لها من مواقف بشأن بعض القضايا السياسية والدينية، وهي بعيدة الصلة عن كل أشكال العنف.

أما مِن الناحية القانونية فهي: "جماعات ذات تنظيم مستمر، لمدة محددة أو غير محددة تتألف من أشخاص طبيعيين أو اعتباريين، أو منهما معًا، لا يقل عددهم عن عشرة أفراد، لا تهدف إلى الربح المالي" (راجع المصدر السابق، ص: 71 - 73).

المنظمات التطوعية:

دائرة مِن دوائر منظمات المجتمع المدني تتميز بعامل التطوع، وقد ارتبطت فكرة العمل التطوعي التقليدي في المجتمع من خلال روابط الدم والقرابة والجيرة، والتوجهات الدينية، لكنها نمت وتطورت بدرجةٍ كبيرةٍ في العصر الحديث، فأصبحت تلامس احتياجات مختلفة جديدة من حماية المستهلك إلى حماية البيئة، وتمتد إلى الحقوق والتنمية، وتعرف بأنها: "منظمات لا تهدف إلى الربح، تبنى على مبدأ التعاون، وتعمل في نطاق النشاطات الدولية، وتتلقى دعمًا فنيًّا".

وقد اعتبرت الأمم المتحدة المنظمات التطوعية هي: "التي تعمل بشكلٍ إداريٍ حرٍّ؛ لمساعدة الآخرين دون الحصول على أرباح مادية، وتسعى للنفع العام" (المصدر السابق، ص: 74).

المنظمات الأهلية:

في المنطقة العربية يستعمل البعض مصطلح المنظمات الأهلية مرادفًا لمصطلح المنظمات غير الحكومية الشائع في كل دول العالم، ويستعمل مصطلح المجتمع الأهلي كمرادفٍ لمصطلح المجتمع المدني، ويرجع تفضيل استخدام هذين المرادفين في المنطقة العربية -وهما منتشران في الأدبيات والإعلام والمؤتمرات-؛ لكون مصطلح المجتمع المدني مصطلح وافد يرتبط بسياق ثقافي واجتماعي غربي يختلف عن السياق العربي والثقافة العربية الإسلامية، حيث علاقات الأقارب والعشائر والبعد عن مفاهيم الحريات والمواطنة والديمقراطية على الطريقة الغربية.

في المقابل يتحفظ بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي على مصطلحي: المنظمات الأهلية والمجتمع الأهلي؛ لكونهما يستندان إلى ثقافةٍ تستند على العائلية والعصبية والقبلية بينما يقوم مفهوم المجتمع المدني على التعددية وقبول الآخر والانفتاح الديمقراطي والحوار (راجع المصدر السابق، ص 75، 80 - 81).

الحركات الاجتماعية:

تمثِّل الحركات الاجتماعية أشكالًا اجتماعية تتكون مِن أشخاص ومجموعات متشابكة معًا، وهي تعبِّر من خلال الأفعال الجماعية عن الاحتجاج، وذلك لأجل تغيير العلاقات الاجتماعية والسياسية أو التأثير في التغييرات التي تحدث، وهي لا تعد مِن منظمات المجتمع المدني، لافتقادها الهيكل التنظيمي، ولافتقادها للاستمرارية إذ تظهر وترتبط بحدث وتنفض وتنتهي بانتهائه.

ومِن أشهر الحركات الاجتماعية: الحركات الطلابية، والحركات المناهضة للسلطة، والحركات النسائية، وحركات البيئة، وحركات السلام (راجع "المجتمع المدني: النظرية والتطبيق السياسي"، تأليف: فرانك آدلوف، ترجمة: د. عبد السلام حيدر - ط. مكتبة الأسرة 2009م، ص 137 - 142).

ولعل مِن أشهر مِن صورها في مصر: مظاهرات طلاب الجامعات في فبراير 1968م في عهد عبد الناصر احتجاجًا على الأوضاع بعد هزيمة يونيو 1967م، ومظاهرات الطلاب في بعض الجامعات في عهد السادات احتجاجًا على استقبال السادات لشاه إيران المخلوع في مصر، وحركة شباب 6 أبريل احتجاجًا على الأوضاع في عهد مبارك، وقد حوَّلت الأخيرة الاهتمام بشبكة الفيس بوك إلى ظاهرة مجتمعية وسياسية تثير اهتمام الباحثين وفضول المواطنين، ونجحت في تنظيم وقفات احتجاجية وإضرابات خلال عامي 2008م و2009م.

منظمات حقوق الإنسان:

تصاعدت في العقود الأخيرة في سياق العولمة الاهتمام بقضايا التنمية البشرية والتحول الديمقراطي، ومن أشهرها قضايا حقوق الإنسان التي يلزم توافرها لكل البشر دونما تمييز، وقد بدأ تقنين هذه الحقوق دوليًّا مع إعلان ميثاق الأمم المتحدة الصادر في 1945م، ومع صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عام 1948م، وتأسيس منظمات حقوق الإنسان (المنظمات الحقوقية).

وتعرف منظمات حقوق الإنسان بأنها: "تلك المنظمات التطوعية غير الحكومية التي تتبنى المواثيق والعهود الدولية لحقوق الإنسان، وتعمل في مجال الدعوة إلى حماية حقوق الإنسان واحترامها، ونشر الوعي بهذه الحقوق، ورصد ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان، وفضح الانتهاكات لها -في حالة وجودها- والعمل على وقفها، ومراقبة الحكومات سلوكيا وتشريعيا إزاء قضايا حقوق الإنسان".

وترجع أهميتها لأمورٍ، منها:

1- اعتبارها من علامات ومؤشرات التحول والتطور الديمقراطي في الدولة.

2- ازدياد الاهتمام الدولي بقضايا حقوق الإنسان، واعتبارها أحد عناصر الإصلاح السياسي في العالم.

3- أهمية دورها في رصد انتهاكات حقوق الإنسان وتقصيها وكشفها.

4- ما تتلقاه هذه المنظمات في العقود الأخيرة من دعم مالي وسياسي وفني كبير يهدف إلى إقامة شبكات دفاعية إقليمية ودولية.

5- كونها من أهم تداعيات ومظاهر العولمة، خاصة مع انهيار الحواجز بين الأمم والكيانات المختلفة، وتقلص -أو عجز- دور الدولة في السيطرة على تزايد وتنامي دور التأثيرات الخارجية على الأوضاع الداخلية.

وهي منظمات تتبنى رؤية حقوقية نقدية للواقع المجتمعي لإحداث التغيير الاجتماعي والسياسي وتنطلق من قناعات ومبادئ عبرت عنها مواثيق واتفاقيات حقوق الإنسان، سواء السياسية والمدنية أو الثقافية والاقتصادية والاجتماعية.

وتواجه هذه المنظمات خاصة في منطقتنا العربية بعض الإشكاليات منها:

أ- عدم الاعتراف بها، أو الاعتراف بها مع التضييق عليها ومحاصرة أنشطتها.

ب- أن طابعها نخبوي غالبًا، فهي تفتقد النفاد إلى الرأي العام، وليس لها قاعدة شعبية عريضة.

ج- تتوقف في نشاطها على مدى العمل بالديمقراطية، ووجود الإدارة الرشيدة للحكم (الحوكمة).

د- الاعتماد شبه الكامل على مصادر التمويل الخارجية (الأجنبية)، وهذا يهدد دائمًا استمرارها، ويشكك في استقلاليتها وعدم تبعيتها لأي أجندات خارجية (راجع في ذلك: "الموسوعة العربية للمجتمع المدني"، ص: 119 - 128).

ولا تخلو منظمات حقوق الإنسان خاصة -والعديد من منظمات المجتمع المدني عامة- من سهام الانتقاد، ويمكن تقسيم الانتقادات الموجهة في هذا المجال إلى قسمين رئيسيين:

القسم الأول: أوجه النقد الموجهة للمصادر الوضعية.

القسم الثاني: أوجه النقد الموجهة لبعض المنظمات الحقوقية.

أهم الأوجه النقد الموجهة للمصادر الوضعية:

1- أنها في معظمها وُضعت في وقت كانت فيه غالبية دول العالم -وخاصة الدول العربية والإسلامية- محتلة عسكريًّا، كميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

2- عكست ثقافة المنتصر (العولمة).

3- لم تراعِ خصوصيات الأمم والثقافات الأخرى، وخاصة الإسلامية.

4- عدم وضع آليات واضحة للتنفيذ، وعقوبات عدم الالتزام بها.

أهم أوجه النقد الموجهة لبعض المنظمات الحقوقية:

1- الانتقائية والتباين في التطبيق والأولويات.

2- أنها أصبحت مطية لتحقيق أهداف الدول الكبرى البعيدة عن الحقوق والحريات -كالتعامي عن بعض الديكتاتوريات والمظالم- مع تضخيم بعض المخالفات الأخرى.

3- استخدامها كرأس حربة لخلخلة المجتمعات المستهدفة.

4- قضية التمويل الأجنبي، وتوجيه المنظمات الممولة ضد مجتمعاتهم وسلطات بلادهم. (انظر مقالة: "المصادر الدولية لحقوق الإنسان" د. طلعت مرزوق - جريدة الفتح الأسبوعية - العدد 390 - الجمعة 10 شوال 1440 هجريا - 14 يونيو 2019 م - ص 13)