محمد خلف - كذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب (1) - بوابة الفتح الالكترونية
محمد خلف
2019-09-16 19:02:13

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ 

فقد جاء في حديث أبي سفيان -رضي الله عنه- مع هرقل -قيصر الروم- كما روي ابن عباس -رضي الله عنهما-: أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل قال له: "وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لاَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ" (رواه البخاري).

علَّق ابن القيم -رحمه الله- على كلام هرقل، فقال: "فاستدل بما يحصل لأتباعه مِن ذوق الإيمان الذي إذا خالطت بشاشته القلوب لم يسخطه ذلك القلب أبدًا، على أنه دعوة نبوة ورسالة، لا دعوة  ملك ورياسة" (مدارج السالكين).

 فللإيمان حلاوة وطعم وذوق يجدها العبد في قلبه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) (رواه مسلم).  

وحلاوة الإيمان هي جنة الدنيا، وهي أثر من آثار رحمة الله بأوليائه تثبيتًا لهم؛ لما يجدون مِن هذه الحلاوة أمام ما يجدون مِن فتن وبلايا ومحن، حتى يقول القائل منهم كما قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي مِن بلدي سياحة" (الوابل الصيب).

وتجعله هذه اللذة حريصًا كل الحرص على المحافظة عليها، فتجعله يكره أن يتركها ويعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار، كما روي البخاري في صحيحه بكتاب الإيمان: "باب حلاوة الإيمان".

وما أجمله مِن تبويب!

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (متفق عليه).

ونحن سنشرع -بإذن الله- في ذكر أحد الأمثلة على أثر حلاوة الإيمان في تثبيت أهله، وفي صمودهم  ومواجهتهم المغريات والتهديدات -أيًّا كان قائلها-، ومِن أمثلة هؤلاء الذين ذاقوا حلاوة الإيمان: سحرة فرعون الذين أحيا الله بالإيمان قلوبهم، وأنار به بصيرتهم، وأحدث لهم تغيرًا شاملًا في إراداتهم وتوجهاتهم، فكانوا كما قال ابن عباس وغير واحد مِن السلف: "كانوا أول النهار سحرة فجرة، وفي آخره شهداء بررة".

وهذا ما سنوضحه -بإذن الله تعالى- في المقالات القادمة.

نسأل الله -تعالى- السداد والقبول.