د. أحمد فريد - نعمة الحياة - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2019-09-29 18:44:44

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن نعم الله -عز وجل- أكثر مِن أن تحصر، كما قال -تعالى-: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النحل:18)، فالعباد عاجزون عن عد نعم الله -عز وجل- عليهم؛ فضلًا عن أداء شكر هذه النعم، ولذا قال بعض السلف: "حق الله أثقل من أن يقوم به العباد، ونعم الله أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين"، نسأل الله أن يتوب علينا، وأن يغفر لنا.

والنعم الحسية كثيرًا ما يشعر بها العباد، كنعمة الزوجة، والمسكن الطيب، والطعام الطيب، وغير ذلك، ولكن هناك نعم قد لا يشعر العباد بها، كنعمة القرآن مثلًا، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه في آخر الزمان يرفع من السطور والصدور، ولا يبقى في الأرض منه آية، فكيف يعيش الناس بدون القرآن؟!

وكيف تكون الحياة بلا قرآن؟! والمحبون له لا يستطيعون أن يعيشوا لحظات دون سماعه أو قراءته، كذلك نعمة الكعبة إذا هدمها صاحب السويقتين من الحبشة في آخر الزمان، ولذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاستماع بالبيت قبل أن يهدم، نعوذ بالله من إدراك هذا الزمان، الذي يرفع في القرآن، وتهدم فيه الكعبة.

مِن هذه النعم التي قد لا يعرف قيمتها كثير من الناس نعمة الحياة، ونعمة العمر والوقت، وسوف أسلط الضوء على هذه النعمة؛ لعلنا نعرف قدرها، ونقوم بشكرها.

أول ذلك: أننا ما زلنا في وقت المهلة، فمهما أسرف العبد على نفسه بالمعاصي، يمكنه أن يرجع إلى ربه، كما قال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر:53)، فباب التوبة لا يزال مفتوحًا لنا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

والعبد يعرف قدر النعمة إذا حُرم منها، فمهما كان متمتعًا بالصحة لا يعرف قدر الصحة، فإذا ابتلي بمرض -نسأل الله العافية-، عرف قدر الصحة، ولا يعرف نعمة الحرية مَن لم يبتلَ بالسجن -نسأل الله العافية- أيضًا، وإنما يعرف قدرها مَن اُبتلي بالسجن -نسأل الله العافية-، فهل نعمة الحياة كذلك يعرف قدرها من حرم منها، والله -عز وجل- مِن رحمته بنا سجَّل لنا في كتابة ما يقوله مَن يحرم مِن هذه النعمة عند الموت وعندما يقف أمام النار، وعندما يقف أمام الملك الجبار، وكذلك وهو بين طبقات النيران، حتى نعرف قدر النعمة الحياة، وكيف إنها فرصة للإيمان والعمل الصالح، قال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ) (المؤمنون:99-100).

فيعرف المفرِّط عند ذلك قدر نعمة الحياة، وكيف أنها فرصة للإيمان والعمل الصالح، فهو لا يطلب الرجوع إلى الدنيا من أجل زوجته الجميلة التي كان يحبها، ولا من أجل أولاده، ولا من أجل منصبه الذي كان يشغله، ولا من أجل المال الذي جمعه وأنفق فيه زهرة شبابه، وإنما يريد الرجوع من أجل العمل الصالح، ويكون الرد عليه: (كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون:100)، و(كَلَّا): أداة ردع في اللغة، وقوله: (رَبِّ ارْجِعُونِ) مجرد كلمة لا يترتب عليها شيء؛ لأن مَن خرج من الدنيا لا يعود إليها، ولكنه يُحبس في برزخ بين الدنيا والآخرة إلى يوم يبعثون.

وقال -تعالى-: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ) (السجدة:12)، وقيمة الإيمان أنه إيمان بالغيب؛ ولذا كانت صفة المتقين الأولى إيمانهم بالغيب، ولذا كانت صفة المتقين الأولى إيمانهم بالغيب كما قال -تعالى-: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة:2-3)، فمَن أراد أن يؤجل الإيمان بالآخرة، حتى يتأكد من صدق الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، نقول له: سوف تتأكد من ذلك، (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا)، ولكن في وقت لن تستطيع أن تعود إلى الدنيا فتعمل صالحًا، فما فائدة هذا الإيمان؟!

ونبقى مع الآيات القرآنية التي تبيِّن نعمة الحياة، وأن مَن حُرم هذه النعمة سيتمنى لو عادت إليه مرة ثانية، حتى يجتهد في الإيمان، والعمل الصالح، يقول -صلى الله عليه وسلم- مخبرًا عن المفرطين، وكيف يكون حالهم وهم بين طبقات النيران: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) (فاطر:37)، يذكرهم الله -عز وجل- أو تذكرهم الملائكة بنعمة الحياة، ونعمة العمر، (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ)، وقد أعذر الله إلى امرئ أجَّله ستين سن، أو سبعين سنة، (وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل أرسل إليهم مَن يذكرهم، قيل النذير: المنذر الداعي بدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وقيل النذير: الشيب. وقيل النذير: المرض.

فالحياة نعمة، والعمر نعمة، بل كل لحظة من لحظات العمر نعمة، فساعات الليل والنهار التي تمر بنا نعمة، تمنن الله -عز وجل- بها، فقال -تعالى-: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ . وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ . وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (إبراهيم:32-34)، فسخَّر الله -عز وجل- لنا الليل والنهار من أجل أن نعمرهما بطاعة العزيز الغفار.

وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان:62)، فكل يوم يعيشه المؤمن فهو غنيمة× لأن المؤمن لا يزداد من الدنيا إلا خيرًا، وكل نفس مِن أنفاس عمره فهو جوهرة، يستطيع أن يشتري بها كنزًا لا يفنى لأبد الآباد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سُبْحَانَ اللهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فانظر إلى مضيع الساعات، كم يفوته من النخيل؟ وقد قال بعض الصحابة: "بلغنا أن نخل الجنة، ساقها من ذهب، وسعفها من حلل، وثمارها أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل والشهد".

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ حَتَّى يَخْتِمَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ , بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني).

ومِن خطر الأنفاس كذلك أن عداد الأنفاس التي قدَّرها الله -عز وجل- لنا مغيب عنا، فلا نعرف قدر العمر، ومقدار رأس المال.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "المبادرة المبادرة، فإنما هي الأنفاس، لو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله -عز وجل-، رحم امرءًا نظر في نفسه، ثم بكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ: (فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) (مريم:84)، آخر العدد: خروج نفسك، آخر العدد: فراق أهلك، آخر العدد: دخولك في قبرك".

فقوله: (إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا) يعني الأنفاس، أي أن الله -عز وجل- قدَّر لكل واحد عددًا محددًا مِن الأنفاس لا يتجاوزه، وكلما تنفس نفسًا سُجل عليه عد تنازلي حتى يصل إلى آخر العدد؛ عند ذلك خروج النفس، وفراق الأهل، ودخول القبر.

وأخطر من ذلك أيضًا: أن آخر نفس تتنفسه تغلق به العاقبة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ) (رواه البخاري)، وإنما أداة حصر في اللغة، فمَن ختم له بعمل من أعمال أهل الجنة دخل الجنة، ومن ختم له بعمل من أعمال أهل النار دخل النار-والعياذ بالله-، فنحن لا نأمن مع كل نفس، أن يكون آخر الأنفاس.

كان السلف -رضي الله عنهم- أحرص الناس على أوقاتهم، قال رجل لأحد العلماء: "قف أكلمك. فقال أوقف الشمس!"، وكان أحدهم إذا جلس عنده الناس فأطالوا الجلوس يقول: "أما تريدون أن تقوموا، إن ملك الشمس يجرها لا يفتر".

وكانوا يبخلون بالوقت والنفس أن ينفق في غير طاعة الله -عز وجل- أكثر من أشد الناس بخلًا بما له، وكانوا يعدون خصال الخير ويبكون على أنفسهم إن فاتهم شيء منها؛ دخلوا على عابد مريض، فنظر إلى قدميه وبكى، وقال: "ما أغبرتا في سبيل الله"، وكان أحدهم يقول: "أعد ثلاثين خصلة من خصال الخير، ليس فيَّ شيء منها"، ودخلوا على الجنيد وكان في النزع وكان يصلي، فقالوا له: "الآن؟! فقال: الآن تطوى صحيفتي"، ودخلوا على أبي بكر النهشلي، وكان في النزع وكان صائمًا، فقالوا له: "اشرب قليلًا من الماء"، فقال: "حتى تغرب الشمس"، وبكى أحد السلف عند موته فسُئل عن سبب بكائه فقال: "أبكي أن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم!".

ما كفتهم الدنيا في طاعة الله -عز وجل-، بل تمنوا لو واصلوا الطاعة بعد الموت، كان ثابت البناني يقول: "يا رب إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي!"، وما كفتهم الدنيا في البكاء على أنفسهم، وتمنوا لو وجدوا مَن يبكي عنهم بعد موتهم، كان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: "يا يزيد، مَن يبكي بعدك لك؟ مَن يترضى ربك عنك؟!".

بكى أحد السلف عند موته، فسئل عن سبب بكائه، فقال: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة:27)، فإذا كان الله عز وجل لا يتقبل إلا من المتقين فما أنعاه على كثيرٍ مِن العاملين.

لما نزل الموت بمحمد بن المنكدر أخذ يبكي بكاءً شديدًا، فأحضروا له أبا حازم الزاهد، فسأله عن سبب بكائه، فقال: "سمعت الله -عز وجل- يقول: (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر:47)، فأخاف أن يبدو لي مِن الله ما لم أكن أحتسب! فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا له: أتينا بك من أجل تخفف عنه فزدت في بكائه، فأخبرهم بما قال". وقرئ على الإمام أحمد في مرض الوفاة أن طاووسًا كان يكره الأنين، فما أنّ حتى مات.

إن كنت تنوح يا حمام البان    للبين فأين شاهد الأحزان؟

أجفانك للدموع أم أجـفـاني     لا يـقبل مـدعٍ بـلا بـرهـانٍ

وإنما ينطبق علينا قول القائل:

يا مَن إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد.

وإذا تشبه بالمذنبين فحالة وحالهم واحد.

يا مَن يسمع ما يلين الجوامد، وطرفه جامد، وقلبه أقسى مِن الجلامد.

إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديدٍ باردٍ؟!