سعيد محمود - صفات عباد الرحمن (6) الاعتدال في الإنفاق - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد محمود
2019-10-10 01:24:41

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الإشارة إلى شاهد الصفة من الآيات: قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) (الفرقان:67).

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: ليسوا بمبذرين في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها؛ لا هذا ولا هذا" (تفسير ابن كثير).

- لما برأ الله عباده الصالحين من الإسراف والتقطير، كانت هذه صفة ممدوحة (الوسطية والاعتدال): (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء:29)، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة:143).

(1) ذم الإسراف والتبذير:

- الإسراف يعم المال والمأكل والملبس والمتاع: قال الراغب الأصفهاني: "هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الانسان، وإن كان ذلك في الانفاق أشهر" (المفردات في غريب القرآن، ص 407).

قلتُ: مِن صوره التي يقع فيها الناس كثيرًا (الإسراف في: الماء والكهرباء ونحوه - الولائم - تجهيزات الزواج وحفلاته - استبدال الهواتف والأثاثات والسيارات دون حاجة - شراء الكلاب والطيور بمبالغ كبيرة - مواقع إلكترونية للأرقام المميزة للهواتف، والسيارات، ونحوها بمبالغ خيالية! - صفقات لاعبي الكرة بأرقام قياسية - حفلة الكريسماس في دولة خليجية تعدل ميزانية دولة إفريقية!) ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا.

- كم من فقراء يموتون من الجوع؟! وكم من مشاريع خيرية ودعوية وغيرها تعطلت؛ لعدم مَن ينفق عليها؟! وكم... وكم... ! (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ . يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين:4-6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- لذا حرَّم الله الإسراف؛ لما له مِن أضرار على الإنسان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) (الإسراء:29)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ) (متفق عليه).

- وشبَّه الله المسرفين بالشياطين تنفيرًا من فعلهم: قال -تعالى-: (وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا . إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) (الإسراء:26-27).

- وجعل المسرفين المبذرين من أبغض الناس إليه: قال -تعالى-: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف:31).

- وجعل عليهم أحكامًا استثنائية بسبب إسرافهم: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (النساء:5).

(2) الفرق بين الإسراف والسخاء؟

- الشرع لا يمنعك من الاستمتاع بمالك بحقه: لما قال -تعالى-: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (الأعراف:32)، نبَّه قبلها: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف:31)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) (رواه البخاري معلقًا، ورواه أحمد والنسائي موصولًا، وحسنه الألباني)، وقال مجاهد: "لو أنفق إنسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرًا، ولو أنفق مدًّا في غير حق كان مبذرًا" (تفسير ابن كثير، 3/ 36).

- السلف خير مثال في النفقة والاعتدال: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لابنه عاصم: "يا بني كُل في نصف بطنك، ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه، ولا تكن مِن قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم" (تفسير القرطبي 13/ 74).

وقال لجابر بن عبد الله وقد لقيه يحمل بيده لفافة: ما هذا؟ قال: لحم، اشتهيته فاشتريته. فقال: أوكلما اشتهيت اشتريت؟! ألا تخشى أن تكون من أهل هذه الآية: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا) (الأحقاف:20)".

(3) ذم البخل والتقطير:

- كفى بالبخل ذمًّا أن ينفي الله عن صاحبه صفة من صفات عباد الرحمن: (وَلَمْ يَقْتُرُوا).

- البخل صفة ذميمة يكرهها كل الناس، ويؤدي إلى أسوأ الأخلاق(1): قال -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (شرُّ مَا في الرجل شُحٌّ هالِعٌ، وجُبْنٌ خَالِعٌ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَجْتَمِعُ شُحٌّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني). "لأن البخيل ضعيف اليقين بـ(وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ:39)، وبـ(اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا) (متفق عليه)".

- البخيل تعيس مكروب الصدر في الدنيا، معاقب معذب في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ البَخِيلِ وَالمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ مِنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَأَمَّا المُنْفِقُ فَلاَ يُنْفِقُ إِلَّا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْدِهِ، حَتَّى تُخْفِيَ بَنَانَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَأَمَّا البَخِيلُ فَلاَ يُرِيدُ أَنْ يُنْفِقَ شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، فَهُوَ يُوَسِّعُهَا وَلاَ تَتَّسِعُ) (متفق عليه).

وقال -تعالى-: (لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران:180).

- كما يحجر على المسرف، فإنه يُتصرف في مال البخيل بغير إذنه عند الضرورة: عن هند بن عتبة -رضي الله عنها- قالت: يَا رسولَ اللَّهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحيحٌ، لا يُعْطِينِي مِن النَّفَقَةِ ما يَكفينِي ويَكْفِي بَنِيَّ، إلَّا ما أَخَذْتُ مِنْ مالِهِ بغيرِ عِلْمِهِ، فهلْ عَلَيَّ في ذلكَ مِنْ جُنَاحٍ؟ فقالَ: (خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ) (متفق عليه).

(4) الفرق بين البخل والاقتصاد؟

- الاقتصاد هو الزهد والتقلل من الدنيا طلبًا للآخرة من خلال البذل والإنفاق في سبيل الله: عيش النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة، والسلف الصالح الخشن، مع عظيم إنفاقهم في وجوه الخير والبر.

بعض الأمثلة على ذلك:

قال قراد بن نوح: "رَأَى عَلَيَّ شُعْبَةُ قَمِيصًا، فَقَالَ لِي: "بِكَمِ اشْتَرَيْتَ هَذَا؟" قُلْتُ: بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَ لِي: "وَيْحَكَ، أَمَا تَتَّقِي اللَّهَ، تَلْبَسُ قَمِيصًا بِثَمَانِيَةِ دَرَاهِمَ، أَلا اشْتَرَيْتَ قَمِيصًا بِأَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ وَتَصَدَّقْتَ بِأَرْبَعَةٍ فَكَانَ خَيْرًا لَكَ"، قُلْتُ: يَا أَبَا بِسْطَامٍ، إِنَّا مَعَ قَوْمٍ نَتَجَمَّلُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ شُعْبَةُ: "أَيْشِ تَتَجَمَّلُ؟" (مسند ابن الجعد).

(5) خير الأمور الوسط:

- الاعتدال صفة عباد الرحمن: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)، وقال: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا).

- منهج الاعتدال في مثال: عن أنس -رضي الله عنه- قال: أتى رجل من بنى تميم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ذُو مَالٍ كَثِيرٍ وَذُو أَهْلٍ وَوَلَدٍ وَحَاضِرَةٍ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقُ وَكَيْفَ أَصْنَعُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (تُخْرِجُ الزَّكَاةَ مِنْ مَالِكَ فَإِنَّهَا طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وَتَصِلُ أَقْرِبَاءَكَ، وَتَعْرِفُ حَقَّ السَّائِلِ وَالْجَارِ وَالْمِسْكِينِ) فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْلِلْ لِي؟ قَالَ: فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وَالْمِسْكِينَ، وَابْنَ السَّبِيلِ، وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) (أخرجه الإمام أحمد في مسنده).             

اللهم ارزقنا حسن التدبير في الأمور كلها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مِن ذم البخل أن يتندر الناس بأحوال البخلاء، حتى صنف العلماء في ذلك مِن قصصهم وحكايتهم، ذكر الجاحظ في كتاب: "البخلاء" قصة الشيخ الخراساني الذي كان يأكل في بعض المواضع، إذ مرَّ به رجل فسلم عليه فرد الشيخ السلام، ثم قال: هلمَّ عافاك الله، فتوجه الرجل نحوه، فلما رآه الشيخ مقبلًا قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان، فوقف الرجل، فقال له الشيخ الخراساني: ماذا تريد؟ قال الرجل: أريد أن أتغدى. قال الشيخ: ويحك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام، الأمر هو أن أقول أنا: هلم، فتجيب أنت: هنيئًا، فيكون كلام بكلام، فأما كلام بفعال، وقول بأكل؛ فهذا ليس من الإنصاف!".