د. أحمد فريد - التفرقة بين كفر النوع وكفر العين - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2014-03-25 20:00:00

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن القول قد يكون كفرا؛ فيطلق القول بتكفير صاحبه ، ويقال: من قال كذا فهو كافر ، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ، وهذا كما في نصوص الوعيد ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ? وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: 10)".

فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق، لكن الشخص المعين لا يشهد عليه بالوعيد ، فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد؛ لفوات شرط أو ثبوت مانع ، فقد لا يكون التحريم بلغه ، وقد يتوب من فعل المحرم ، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم ، وقد يبتلى بمصائب تكفر ، وقد يشفع فيه شفيع مطاع ، وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق ، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده أو لم يتمكن من فهمها ، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها ، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، وهذا الذي عليه أصحاب النبي صلي الله عليه وعلي آله وسلم وجماهير أئمة الإسلام .

وقال القاسمي حاكيا عن شيخ الإسلام: "المقصود أن مذاهب الأئمة مبنية على هذا التفصيل بالفرق بين النوع والعين ، بل لا يختلف القول عن الإمام أحمد وسائر أئمة الإسلام كمالك وأبي حنيفة والشافعي أنهم لا يكفرون المرجئة الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل ، ونصوصهم صريحة بالامتناع عن تكفير الخوارج والقدرية وغيرهم".
إلي أن قال : "والإمام  الشافعي  لما ناظر (حفص الفرد) من أئمة المعطلة في  مسألة (القرآن مخلوق)، قال له الإمام الشافعي :كفرت بالله العظيم ، وكفره ولم يحكم بردته بمجرد ذلك ، ولو اعتقد ردته وكفره لسعى في قتله ، وأفتى الناس بقتل دعاتهم مثل (غيلان القدري، والجعد بن درهم، و جهم بن صفوان إمام الجهمية، وغيرهم) ، وصلى الناس عليهم ودفنوهم مع المسلمين ، وصار قتلهم من باب قتل الصائل؛ لكف ضررهم لا لردتهم ، ولو كانوا كفارا لرآهم المسلمون كغيرهم".

يثبت عقد الإسلام بالنطق بالشهادتين، ونقل غير واحد الإجماع على ذلك، ثم يطالب بعد ذلك بالصلاة والزكاة وسائر أمور الشريعة، ويعاقب على تقصيره، في شيء منها كما حددته الشريعة، واشتراط بعض أهل زماننا لثبوت عقد الإسلام التحقق من شروط صحة الشهادتين الني ذكرها بعض العلماء من العلم والمحبة والانقياد واليقين وغير ذلك جهل وغلو؛ فإن أكثر هذه الشروط من أعمال القلوب وليست من أعمال الجوارح، ولا سبيل لهم لتحقيقها، ثم إن أعمال الدنيا مترتبة على الظواهر، والله عز وجل أعلم بالسرائر، واشترط بعض العلماء كذلك لثبوت عقد الإسلام إضافة الصلاة والزكاة إلى الشهادتين؛ وهذا القول بدعة لإجماع السلف على خلافه، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصر، فمن ذلك قول الله عز وجل: " فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ? وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (التوبة:11)، تابوا: أي من الكفر بشهادة التوحيد.

وقال صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَشهدُوا أن لا إله إلا الله ، وأنَّ محمداً رسولُ الله ، ويقيموا الصلاةَ ، ويُؤتوا الزكاةَ ، فإذا فَعَلوا ذلِكَ عَصمُوا مني دِمائهُمْ ، إلا بحقَّ الإسلام ، وحِسابُهُم على الله" (متفق عليه)؛ وعن أسامة بن زيد قال: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاحِ، قَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ " (صحيح مسلم).

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ" فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي بِهَا قُرَيْشٌ أَنَّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [القصص: 56] (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

كذلك يثبت عقد الإسلام لمن ولد لأبوين، أو كانت ولايته للمسلمين منذ صغره قبل بلوغه الحلم؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] (متفق عليه).
ومن ثبت له عقد الإسلام يصير معصوم الدم والعرض؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ " (صحيح مسلم).

ولا يجوز لأحد إكفاره وإخراجه من ملة الإسلام بوقوعه في شيء من الكفر العملي أو الاعتقادي جاهلا بحكمه إلا بعد إقامة الحجة الشرعية، وصفة قيام الحجة كما قال ابن حزم رحمه الله: "أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها".
وقال شيخ الإسلام: "حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ممن يعرف الحكم الشرعي من سلطان أو أمير مطاع".
وقال الشيخ سليمان بن سمحان: "الذي يظهر لي والله أعلم أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها، وأما من لا يحسن إقامتها كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه، ولا ما ذكره العلماء في ذلك؛ فإنه لا تقوم به الحجة فيما أعلم والله أعلم".
والحجة يشترط أن تكون من الكتاب والسنة، وأن تكون واضحة لا لبس فيها، تقطع كل شبهة عند الرجل الذي تقام عليه الحجة.
وبعض المسائل لا تحتاج إلى عالِم، مثال الذي يخطئ في آية من القرآن، فهذا يكفيه أن يؤتي له بالمصحف مثلا، فإن كابر بعد ذلك وأنكر كفر.