زين العابدين كامل - السيسى ومسئولية الدماء - بوابة الفتح الالكترونية

كثير من الناس بصفة عامة ومن أبناء الدعوة بصفة خاصة يتحفظ على ترشيح المشير السيسى لرئاسة الجمهورية بسبب الدماء التى سالت فى ميدانى رابعة والنهضة.

وأنا أقول إنه بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- تولى الخلافة علي بن أبى طالب -رضي الله عنه-، واختلف الصحابة -رضي الله عنهم- في مسألة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، فلقد طلب معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- ومعه بعض الصحابة أخذ الثأر لعثمان -رضي الله عنه-، وهنا اعتذر إليهم علي -رضي الله عنه- كما يقول ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية":

"فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ عَلِي بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ مَدَدٌ وَأَعْوَانٌ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ يَوْمَهُ هَذَا".

وهنا لابد من وقفة مع مسألة الدم:

ففي مثل هذه الأمور يصعب أولا تحديد الجناة، وهذا يحتاج إلى تحقيق واسع للتعرف على الجناة؛ لاسيما مع صعوبة التثبت في أوقات الفتن والفوضى، ثم إن ذلك يحتاج إلى قوة واستقرار في الدولة للقدرة على إقامة القصاص، ولكن هذا هو الحماس المذموم الذي أدى بعد ذلك إلى وقوع القتال بين الفريقين في موقعتي: "الجمل" و"صفين"، وكانت النتيجة مقتل عشرات الآلاف من المسلمين، بل ومن الصحابة الأفاضل -رضي الله عنهم أجمعين-.

وكان الأصوب في هذا الأمر هو ما رآه علي -رضي الله عنه-، فإن النصوص قد نصت على أن الفئة الباغية هي مَن قاتلت عليًّا -رضي الله عنه-.

فيا ترى هل هناك من بينات تدل على القاتل الذى باشر القتل فى ميدان رابعة وهل هناك من بينات تدل على الذى أمر بالقتل ومن الذى يستطيع أن يجسد لنا حقيقة ما حدث فى ميدان رابعة ..؟؟؟؟

وفي عهد يزيد بن معاوية قُتل الحسين -رضي الله عنه- ومعه سبعون من آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك لم يخرج الصحابة على يزيد بسبب مقتل الحسين -رضي الله عنه- ومَن معه، بل ولم يُحمِّل العلماء يزيدَ مقتل الحسين؛ لأنه لم يأمر بقتله، ولم يرضَ بذلك.

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" أن يزيد قال: "لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أَفْعَلْ مَعَهُ مَا فَعَلَهُ ابْنُ مَرْجَانَةَ -يَعْنِي عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ-.

وَقَالَ للرسل الذين جاؤوا بِرَأْسِهِ: قَدْ كَانَ يَكْفِيكُمْ مِنَ الطَّاعَةِ دُونَ هَذَا، وَلَمْ يُعْطِهِمْ شَيْئًا، وَأَكْرَمَ آلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا فُقِدَ لَهُمْ وأضعافه، وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عَظِيمَةٍ".

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وجرت في إمارة يزيد بن معاوية أمور عظيمة، أحدها: مقتل الحسين، فقد قٌتل -رضي الله عنه- في إمارة يزيد بن معاوية، ويزيد بن معاوية لم يأمر بقتل الحسين -رضي الله عنه-، ولا أظهر الفرح بقتله... "ثم كانت وقعة "الحَرة"، والتزم الكثيرون من صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلماء المدينة ببيعتهم ليزيد بن معاوية خشية الفتنة واقتتال المسلمين فيما بينهم، واعترض بعض علماء المدينة على خلع يزيد بن معاوية والخروج عليه، ولم يؤيدوا مَن قام بالخروج، وقاموا بنصح إخوانهم واعتزلوا الفتنة، وكان أغلب هذا الرأي من أهل العلم والفقه في الدين، وفي مقدمة هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- فقد اشتُهِر عنه إنكاره على الذين رفضوا البيعة ليزيد وسعوا في خلعه.

وقد انتهتْ موقعة "الحَرة" بهزيمة أهل المدينة هزيمة ساحقة قُتِلَ فيها خَلْقٌ كثير.

ثم تأمل مقٌتل عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- وقد كان أميرًا للمؤمنين، ودخلت في طاعته ومبايعته: "الكوفة، والبصرة، ومصر، وخراسان، والشام -معقل الأمويين-"، ولم يبقَ سوى الأردن في عهد عبد الملك بن مروان، وقد قتله الحجاج؛ فماذا كان موقف عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-؟

عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: أَتَى رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ، وَصَاحِبُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: "يَمْنَعُنِي أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي"، فَقَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) (الأنفال:39)، فَقَالَ: "قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلَّهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ".

وعن أبي نوفل بن أبي عقرب قال: "لَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنَ الزُّبَيْرِ وَصَلَبَهُ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ يُغَايِظُ بِهِ قُرَيْشَ الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "السَّلامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَاللَّهِ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، ثَلاثًا، وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولاً لِلرَّحِمِ، وَاللَّهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ شَرُّهَا لَنِعْمَ تِلْكَ الأُمَّةُ. ثُمَّ مَضَى".

بل كان -رضي الله عنه- يصلي خلف الحجاج، بل وحج معه، وبايع عبد الملك بن مروان، ولم يخرج على الحاكم أو يأمر بالخروج عليه؛ مع أن الحجاج قتل عبد الله بن الزبير وقذف الكعبة بالمنجنيق وقتل عشرة آلاف من العامة فى يوم واحد  لكن ابن عمر كان يكره اللجوء إلى العنف والاقتتال؛ لما في ذلك من سفك الدماء، وإضعاف لوحدة الجماعة المسلمة، فالعلة ليست في ثبوت الولاية الشرعية من عدمها، ولكن العلة هي سفك الدماء "علمًا بأننا لا نثبت الولاية الشرعية في النظام الجمهوري الحديث، فانتبه".

وكذلك الإمام الاوزاعى والإمام مالك وغيرهما بايعوا أبا جعفر المنصور مع ما ارتكبه هو وأبو العباس السفاح من قتل آلاف الأمويين فى دمشق ولم يقل أحد أنهم باعوا دينهم أو خانوا الله ورسوله أو تلوثت أيديهم بالدماء.

وهكذا الحال فى أمر الدماء فاعتبروا يا أولى الألباب.