محمد القاضي - الرجل المجهول - بوابة الفتح الالكترونية
محمد القاضي
2014-05-21 17:20:00

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع).

قال ابن حجر: "فيه ترك حب الرئاسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع".

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) رواه مسلم، وروي في الأثر : ( إن أهل الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، الذين إذا استأذنوا على الأمراء لم يؤذن لهم، وإذا خطبوا النساء لم ينكحوا، وإذا قالوا لم ينصت لهم. حوائج أحدهم تتخلخل في صدره، لو قسم نوره يوم القيامة على الناس لوسعهم).

وكان ابن مسعود يوصي أصحابه فيقول: " كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب؛ تعرفون في أهل السماء، وتخفون في أهل الأرض". و‏قال رجل لبشر الحافي رحمه الله‏:‏ أوصني، فقال‏:‏ "أخمل ذكرك، وطيب مطعمك‏ ". ‏

وقال الزهري رحمه الله‏:‏ "ما رأينا الزهد في شيء أقل منه في الرياسة، نرى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال فإذا نوزع الرياسة حامى عليها وعادى‏".

والرجل المجهول له أمارات فمن وجدها في نفسه فهو منهم فهنيئا له:

1.      أن يستوي في نفسه مدح الناس وذمهم له.

2.      أن يقدم مصلحة المسلمين ومنفعتهم على مصلحته الخاصة.

3.      أن  يكون الأصل في عمله إخفاء العمل والإسرار به.

4.      أن يجتهد ويخلص في كل عمل أوكل له لا يشترط ما يوافق هواه.

5.      أن يفر من الرئاسة والولاية والجاه فراره من الأسد.

6.      أن يمقت نفسه في الله ولا يرى لها فضلا أبدا.

7.      أن يكون مسكينا متواضعا لا يحفل بصحبة الأغنياء.

8.      أن يصون قلبه من الفتن ويكون مراعيا للسلامة.

وهذا المقام العظيم شديد على النفس لا يقوى عليه إلا من أخلص الله قلبه ونور بصيرته واصطفاه لعمله واستعمله في طاعته ، ولا يزال في هذه الأمة بحمد الله وجود هذا الضرب من الرجال من يعمل لهذا الدين بصمت لا يطلع عليه إلا الله.

ومن هنا نوه الحديث الشريف بأولئك الجنود المجهولين الذين يذيبون حبات قلوبهم، وينفقون أغلى أيام أعمارهم، في نصرة دينهم وطاعة ربهم، دون أن تسلط عليهم الأضواء، أو يشار إليهم بالبنان.

روى الحاكم وغيره، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن عمر رضي الله عنه، خرج إلى المسجد فوجد معاذا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "اليسير من الرياء شرك، ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة، إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء، الذين إن غابوا لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، ينجون من كل غبراء مظلمة".