مصطفى دياب - التحدي - بوابة الفتح الالكترونية
مصطفى دياب
2014-06-30 11:04:00

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

(استعد – انطلق – استمر) تحديات ثلاث.

إذا فاز العبد في واحدة، تلقته الثانية والثالثة، والموفق من وفقه الله، وطوبى لمن استعد وانطلق واستمر، وكيف لا يكون له أعظم الأجر، وهو حقاً تحدٍ صعب!!

وهل سمعتم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي صححه الألباني رحمه الله، حيث قال صلى الله عليه وسلم " إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ، فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ، وَإِنَّمَا مَثَلُ الْمُهَاجِرِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي الطِّوَلِ، فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ، ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ، فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ، فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ، وَيُقْسَمُ الْمَالُ، فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ. " فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ"[أخرجه النسائي: 3134].

أخي الحبيب:

أنت أمام تحدٍ حقيقي، هل ستستمر على الطاعة وتطوير ذاتك، والتواصل مع أهل الخير من أصحابك؟

وهل علمت أن من علامة توفيق الله عز وجل للعبد أن يرزقه أصحابًا صالحين تُذَكِر رؤيتهم بالله عز وجل.

أخي الحبيب:

ضع أمامك دائماً قول ربك عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم وهو يواسيه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)} [الحجر: 97-99]

واعلم أن الله أعلم بحالك، بل هو مُطلعٌ على جميع أحوالك، ويرى تعثر خطواتك وأنت ترجو النجاة والوصول إلى مرضاة الله، ويرى، ويعلم أن قلبك محزون؛ لِما تلقاه من أذى القريب والبعيد، ويعلم أنك مهموم لكثرة العقبات والشواغل والحواجز، ويعلم مجاهدتك للشيطان وقد قعد لك بجميع طُرقك، والله عز وجل هو من أرشدنا للحل السديد: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } [الحجر: 98]، وليس هذا فقط {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر: 98]، {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19]، ثم دعوة للاستمرار، والاستمرار حتى نهاية الحياة، { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]

أخي الحبيب:

استمر على طاعة ربك، مهما كانت الظروف والأحوال، فإن يونس لم يعدم عملاً يقربه لله وهو في بطن الحوت، بل كان عمله من أسباب نجاته، {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)} [الصافات: 143، 144].

أخي الحبيب:

 استمر، واعمل عملاً لله، يكون سبباً لنجاتك يوم القيامة، وأحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلَّ، وكان الإمام أحمد يقول: "مع المحبرة إلى المقبرة"، وكان الجنيد يقول: "طريق مشيناه إلى الله، لا أحب أن أقطعه"، وفي آخر أنفاسه يقرأ كتاب الله، ويقولون له: يا إمام الآن تقرأ ؟! يقول: "أبُادر طيَّ صحيفتي"، وقال صلى الله عليه وسلم مُرَغباً في الاستمرار: " مَنْ ثَابَرَ عَلَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الجَنَّةِ" وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ"، فَقَالَ: " أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ".

أخي الحبيب:

استمر في تطوير ذاتك، استمر في الارتقاء بعبادتك، استمر في التواصل مع إخوانك، وأحذر طابور المثبطين الذين جعلوا شعارهم: " إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "، وكن من الواثقين، المتوكلين، الصابرين الصادقين، الذين جعلوا شعارهم " إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ".

أخي الحبيب:

سل الله التوفيق، واعلم أن التوفيق ليس ثوباً ترتديه، وإنما هو غيث فأطلبه من الله بالذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والصوم الصحيح، والصلاة الخاشعة، وبر الوالدين، وقيام الليل والإحسان إلى الفقراء والمساكين، فإذا هطل عليك، فأبشر فإنك من السعداء إن شاء الله: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27].

الإخوة الأحباب:

ينبغي على شباب الصحوة تربية أنفسهم على أعمال السر، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْءٌ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ فَلْيَفْعَلْ" وقال عمر: "مَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ". وقال أحمد في الإمام عبد الله بن المبارك: " ما رفعه الله إلا بخبيئة كانت له "، ولو تمكن وقار الله عز وجل وعظمته في قلب العبد، ما تجرأ على معاصيه، والعبد يقطع منازل السير إلى الله بالقلب لا بالبدن، فحرصوا أيها الأحباب على أعمال القلوب، فكثيراً ما تبهرنا أعمال الجوارح، وننشغل عن أعمال القلوب، وهي محل نظر الرب عز وجل.

وأخيراً:

الخبيئة الصالحة زورقٌ من ركبه نجا، وعبادةٌ من اعتادها طَهُرَ قلبه.

وصلِ اللهم على محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.