سعيد حماد - معركة الوعي 3 - بوابة الفتح الالكترونية
سعيد حماد
2014-08-20 11:33:00

إخوتي وأخواتي، أبنائي وبناتي، لعلكم تذكرون أني عندما بدأت الكتابة تحدثت معكم عن الغاية والطريق، وتبين أن الغاية تمثل الإجابة عن هذا السؤال: لماذا؟ وأن الطريق يمثل الإجابة عن السؤال: كيف؟ وضربت أمثلة عديدة لماذا نصلي؟ كيف نصلي؟ لماذا نصوم؟ كيف نصوم؟ لماذا نحج؟ كيف نحج؟ لماذا ندعو إلى الله عز وجل؟ كيف ندعو إلى الله عز وجل؟ لماذا نقرأ القرآن؟ كيف نقرأ القرآن؟

وأرجو منكم أيها القراء الأعزاء أن تخوضوا هذه التجربة؛ أن تمسكوا بالورقة والقلم وأن تبحثوا عن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها؛ إن لدي على سبيل المثال: لماذا نقرأ القرآن؟ ما يقرب من مائة إجابة لأني اكتشفت أن سؤال (لماذا؟) قد يكون سؤالًا عن النية أو الغاية أو الهدف أو الفضل أو الأثر أو العاقبة أو الحكمة أو العلة، ووجدت الإجابات العديدة من آيات القرآن ومن أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلنا نفرد مقالًا خاصا عن هذين السؤالين لماذا وكيف نقرأ القرآن؟

والمتأمل لسورة الفاتحة يجد أن سؤال العبد لربه بعد أن حمده وأثنى عليه ومجده وأقر بتوحيده واستعان به وتوكل عليه:

{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}

بعد هذا سأل ربه أن يدله على الطريق ليهتدي أولا ثم يسلك الطريق {اهدنا الصراط المستقيم} تساوي الغاية، {صراط الذين أنعمت عليهم} تساوي الطريق، والغاية تمثل الهداية والطريق يمثل النعمة، وهذا هو اتباع الهدى {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى}، {لا يضل} تساوي الهداية، {ولا يشقى} تساوي السعادة أو النعمة أو الأمن وكلها تمثل الحياة الطيبة، {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}، وإذا ضل العبد ولم يعرف له غاية ولم يتبين له طريقا بسبب إعراضه عن أسباب الهداية والسعادة فإن له معيشة ضنكا ويحشر يوم القيامة أعمى، فليختر العبد ما يشاء "الهداية أو السعادة أو العمى والمعيشة الضنك".

ومن هنا نبدأ أن نعرف ونحدد غايتنا؛ وبذلك نملك صحة التصور، وأن نعرف ونحدد الطريق فنملك سلامة الحركة، ولو أردت أن تتبين الخلل في الأفراد والجماعات فتدبر هذا وتبينه فسوف تجد الخلل بسبب فساد التصور أو فساد الحركة أو كليهما، فاللهم أرنا الحق حقًا"صحة التصور"، وارزقنا اتباعه"سلامة الحركة".

لقد أثنى الله عز وجل على الصحابة رضوان الله عليهم، ووصفهم بهذا الوصف الذي دعوتكم إلى دراسته واستقراء مواضعه في القرآن الكريم"أوتوا العلم"، فقال سبحانه عنهم: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، لقد صحت رؤيتهم وعلموا طريقهم، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ}، "اللهم أرنا الحق حقا"، {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} "وارزقنا اتباعه".

{وأن هذا صراطي مستقيًما} "الغاية والرؤية والعلم"، {فاتبعوه} "الطريق والالتزام، العمل، الحركة"، فإما العلم وإما العمى؛ إما أن نكون من أولي الألباب الذين يتبعون العلم بالعمل وإما...! {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى? إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}، كيف نجمع بين صحة التصور"العلم بالحق"، وسلامة الحركة"العمل بالحق واتباعه ومعرفته"، كأن حديثي عن الغاية والطريق مقدمة للحديث عن معركة الوعي ومنطلقات التغيير، والتي ذكرت منها المنطلق الأول وهو أن ننطلق من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، من هم الدنيا وفكر الدنيا ونية الدنيا إلى هم الآخرة وفكر الآخرة وإرادة الآخرة ونية الآخرة.

وقد يقول قائل: ما هذا؟ ماذا تريد منا؟ تريدون منا القعود وعدم الأخذ بأسباب القوة والتطور والعمران؟ تريد منا أن نترك للأعداء أسباب التمكين ونذهب نحن ننشد الآخرة فنعتكف ونعيش حياة الرهبنة والعزلة عن الحياة وعن الناس وعدم الأخذ بأسباب الرقي والتقدم؟ تريدون منا أن نعيش في الصحراء ونعود لركوب الجمال وهؤلاء قد تقدموا وصنعوا الطائرات والصواريخ وغزوا الفضاء واكتشفوا كثيرًا من الأمراض وأسبابها، وفكوا الشفرة الجينية وتقدموا في مجالات متعددة، وأنتجوا الأبحاث العلمية في تكنولوجيا المعلومات والكيمياء الحيوية والنانو ثانية و.... و..!

أقول لهذا القائل: سبحان الله؟ هل تعلم ماذا قال ربعي بن عامر لرستم قائد الفرس؟ هل تعلم أولا من هو ربعي بن عامر؟ إنه الصحابي الذي دخل على قائد الفرس بعز وشموخ الإسلام، وأجابه الإجابة التي تبين الغاية والطريق، والتي تحدد الرؤية والرسالة بعد أن سأله رستم ما الذي جاء بكم؟ فأجاب قائلا: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ".

اجبني بالله عليك كيف وصل هذا الصحابي إلى هذه المعاني؟وكيف تمكن هو ومن معه من القضاء على أكبر إمبراطوريتين في هذا العصر" إمبراطورية الفرس والروم" في أقل من خمسين عامًا من بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ألم يكن هؤلاء هم من ملكوا الدنيا والسلاح والعتاد، ولم يملك الصحابة الذين قدموا من الصحراء القاحلة من الجزيرة العربية من أسباب القوة والتمدن الذي تتشدقون به ما ملكه هؤلاء؟ هل سألتم أنفسكم لماذا انتصر المسلمون وهل يمكن أن نعيد مجد هؤلاء بالعودة إلى الأسباب الحقيقية للنصر ومنها تقوى الله عز وجل، والتعلق بالله وبذكره وبالتوكل عليه وتعلق القلوب بالآخرة، وأن نملك أسباب القوة الإيمانية قبل القوة المادية، وأن تكون الدنيا بأيدينا لا في قلوبنا، وأن نريد الآخرة، وأن نجعل الدنيا مطية للآخرة ومعبرا إليها لا أن تتعلق بها قلوبنا ونجعلها غايتنا؟

ومن هنا نبدأ وعندك التوجيهات القرآنية:

انظر إلى آية النور من سورة النور وتأمل وصف الرجولة في القرآن وتفكر في منابع النور ومعانيه.

"نور على نور" نور الإيمان مع نور القرآن، "يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيىء عليم"، اللهم اجعلنا ممن هديتنا إلى نورك.

أين منابع هذا النور؟ إنه الوحي، " وَكَذَ?لِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْأ َمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَ?كِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِه ِمَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى? صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) " [ الشورى: 52 ، 53 ]

الوحي يمثل الروح والنور، الحياة والنور، هذه هي الدعوة إلى الحياة، الحياة الطيبة، " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" [ الأنفال: 24].

هذه هي الحياة التي ننشدها لا حياة الأنعام، " وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ" [ محمد: 12]، وصدق الله عز وجل حيث قال وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ" [النور: 4].

هذا هو التقدم الذي ننشده وهذه هي الحياة التي نريدها، نريد طمأنينة القلب والنفس، نريد حياة الروح وروح الحياة بقوة وعزة وثقة وشموخ وثبات وعلم ومعرفة " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " [ الرعد: 28].

نريد التوازن في الشخصية التي يمثلها هؤلاء الرجال الذين بحثوا عن النور فوجدوه ومن الطريق فسلكوه، أين تم صناعة هؤلاء الرجال، وما هي علامات هذه الرجولة الإيمانية العجيبة؟ " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ " [ الرعد: 28].

أرأيت مثل هذا التوازن في الشخصية ؟ إنهم أقوام يتاجرون ويبيعون ويبتغون من فضل الله، والجمال والعظمة أن هذه التجارة وهذا البيع لا يلهيهم عن ذكر الله وإقام الصلاة، لماذا؟ لأنهم يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.

وما هو المآل ؟! هذا هو مآلهم ومستقبلهم، والفضل والسعة والرزق الذي يمنحه الله إياهم، " لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ" [ النور: 38].

إنهم رهبان الليل وفرسان النهار، إنهم الزُّهاد، ولكنهم أيضا هم المجاهدون الصابرون المصابرون المتقون، يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [ آل عمران: 200 ].

وتدبر معنى الآيات الأخيرة من سورة الجمعة: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ".

تأمل معي وتدبر ماذا يصنع هؤلاء الرجال إنهم المؤمنون الذين يقولون:"سمعنا وأطعنا"، " إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ" [النور: 51 ،52].

ثم انظر إلى التربية الإيمانية وإلى هذا التوازن العجيب والقوة الغريبة، لقد انفصلوا تماما عن الدنيا، وتركوا البيع سمعا وطاعة لهذا النداء الإيماني " يا أيها الذين ءامنوا"، ثم جاء التوجيه القرآني بعد أن قضت الصلاة " فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" [ الجمعة: 10 ].

هذا هو التوازن في الشخصية المؤمنة، تتحرك، تنتشر في الأرض، تبتغي من فضل الله؛ ومع هذا كله فهي في ذكر دائم لله، ولا يتناقض هذا مع ذلك.

وهذا بيان آخر من سورة المزمل: " عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [ المزمل: 20 ].

هذه هي الشخصية المؤمنة التي تتمناها مع المرض ومع الضرب في الأرض للابتغاء من فضل الله والقتال في سبيل الله، لا يتركون الزاد من قراءة القرآن وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإنفاق في سبيل الله، والاجتهاد في أن يقدموا الخير دائما لأنفسهم ليجدوه عند الله خيرا وأعظم مما قدموا، ويتوجوا ذلك بالتواضع بين يدي الله فيكثروا من الاستغفار.

ومن هنا نبدأ إخوتي الأحبة {حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.