د. عبدالغفار طه - حادث جريدة شارلي .. بين المُندفعين ، ومطبلاتية الزفة - بوابة الفتح الالكترونية
د. عبدالغفار طه
2015-01-15 21:29:00

لا يمكن تناول حادث جريدة شارلي إيبدو وتداعياته بشكل متزن إلا من خلال نظرة تستوعب ثلاث محاور :

الأول : فقه المآلات ، ومراعاة نتائج التصرفات .. فأي تصرف يترتب عليه نتائج غير مرضية شرعاً ينبغي أن يُفتى بمَنْعِه ؛ فلا يُدفَع فساد بأفسد منه ( والله لا يحب الفساد ) ، فالتعرض للنبي -صلى الله عليه وسلم- بما يشوبه التنقيص فساد عظيم ، ولكن لا يجوز لمن أراد دفعه أن يتسبب في فساد أعظم ، ولو يَعلَمُ المُندفعون والمتهورون والمتطرفون كم جَنَوْا على الإسلام من حيث أرادوا نُصرته لعلموا أن اختفاءهم من ساحة العمل الإسلامي -بما لدَيْهم من فكر مُتطرف أو اندفاع على الأقل- قد يكون أكثر فائدة للإسلام والمسلمين ، وقد ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل من استوجب القتل لظهور نفاقه واستهزائه كي لا يتضرر الإسلام وانتشاره بذلك قائلاً قولته الشهيرة -صلى الله عليه وسلم- ( لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ) ، فهلا تأسوا به ، أو تأنوا وراجعوا أهل العلم -إذ اختلط عليهم الأمر- .

الثاني : أن الإسلام يختلف عن الحضارة الغربية في قضية الحريات ؛ ففي الإسلام نجد أن الإيمان بالله والعقيدة هي منبع قضايا الحرية كلها ، ولا يمكن للفرع -بأي حال- أن ينقض أصله ؛ فالحرية تقف عند حدود لا يجوز لها أن تتخطاها ؛ وهذه القيود على الحرية ليس مصدرها العقل البشري والقانون الوضعي وفقط ، بل تمثل قواعد الشريعة وأحكامها ومقاصدها وأخلاقها السياج الرئيسي الضابط للحريات ، ومنها يجب أن تتفرع القيود الوضعية التي يضعها البشر على الحريات الشخصية ...
الغريب في الأمر أنك تجد بعض من ينتسب إلى الإسلام يقول ( كلنا شارلي ) وهذا -قطعاً- لا يَفهَم إسلامه ؛ بل لا يفهم كيف يؤذي قوله ذلك مشاعر المُسلمين ، ويُذكي جذوة التطرف لدى المتطرفين !!

والحقيقة أننا يجب ألا نجعل إغراقنا في التحذير من تداعيات الاندفاع والتهور ، أو النظر إلى فقه المآلات يُنسينا أهمية الدندنة على الاختلاف الكبير والجوهري بيننا وبين الغرب في قضية الحريات ، وأن ديننا وقرآننا ونبينا -صلى الله عليه وسلم- وسنته وشريعته خطوط حمراء لا يجوز أبداً تعديها بالاستهزاء والسخرية والإهانة والتنقيص ؛ فليؤمن من شاء وليكفر من شاء ، لن نفرض الإيمان على أحد -ابتداءً- ؛ بل من اختار الحق أثيب ، ومن اختار الباطل عوقِب ، قال الله -تعالى- ( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سُرادقها .... ) الآية ؛ ولكن ليس لأحد -مؤمناً كان أو كافراً- أن يسخر أو يستهين أو يستهزيء بمقدساتنا مُتعدياً الخطوط الحمراء ، والأصل عقوبة هؤلاء المتجاوزين سداً لباب الفتنة والتعانف الذي لا يُمكن ضبطه .

المحور الثالث : ازدواجية المعايير الغربية في التعامل مع قضايا العُنف الديني ، وتسييس الدول الغربية لكثير من تلك القضايا ؛ فبينما يبدو الغرب غير مُهتم بمقتل الآلاف من المسلمين -على أساس ديني- في شرق آسيا ووسط أفريقيا ، وعلى أسس طائفية -رعاها الغرب حماية لمصالحه- في سوريا والعراق واليمن ، تجده غير مهتم لذلك كله ؛ فإدانته ضعيفة -على استحياء- ، وصوته مُهتَزّ غير مسموع ، وفي المقابل يُقيمون الدنيا ولا يُقعدونها لمقتل اثني عشر شخصاً لمجرد أنهم من أبناء عاصمة تنويره باريس !!!!
والحقيقة أن التفاعل الغربي ال(أوفر) مع تلك القضية الذي لا يبدو تلقائياً ولا طبيعياً ، والأجواء التي يحاول البعض صبغها تعسفاً بما يُشبِه صِبغة أجواء ما بعد 11سبتمبر يوحي بأن هناك رغبة لدى صانع القرار الغربي في إعادة هَيْكلة علاقته بالمُسلمين للاستفادة من ذلك في إعادة صياغة الإسلام ذاته ؛ إذ أن الأزمات التي سيعيشها المسلمون -بناءً على ذلك- في الداخل والخارج بسبب ما يبدو أنه الفهم للإسلام أو التمسك به سيؤدي -في وجهة النظر الغربية- إلى انتشار الأفكار الداعية إلى قراءة حداثية للإسلام يُمكِن تديينها لصناعة "لوثرية" إسلامية -إن جاز التعبير- !!!

*هذان المحوران الأخيران غفل عنهما -تماماً- "مطبلاتية الزفة" ، بل وكل زفة ، الذين يسيرون مع السائرة ، ويطبلون للرائجة ، فلم تسمع لهم صوتاً يحذر من المساس بالمقدسات ، أو "صناعة الغرب للإرهاب" بسياساته الجائرة ؛ كل ذلك لم يكن ... بل لم تجر أقلامهم إلا بعبارات تستفز الخواطر وتثير المشاعر من قبيل ( كلنا شارلي ) ، وإعلان تضامنهم مع ما أسمَوْه (حرية التعبير) !!!!! فبئس الأقلام ، وبئس الكلام ، وبئس التطبيل !!
الغريب في الأمر أنك تجد بعض هؤلاء المُنتفضين من إعلاميينا ومثقفينا دعماً لحرية التعبير -زعموا- عند شارلي إيبدو ، هم هم -بأنفسهم- الذين رفضوا السخرية من السيسي لأنه رمز للوطن -على حد تعبيرهم- !!!! فعلاً "مطبلاتية" ... اللهم قنا شرهم .