زين العابدين كامل - الالتزام بين الحقيقة والخيال (2) - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
ذكرنا في المقال السابق أننا نعاني من خلل واضح في كثير من جوانب الالتزام، وهناك من يفصل بين الأخلاق والسلوك وبين الشعائر التعبدية، وهذا خلل واضح بلا شك ولابد من معالجته.
 
ومن السلبيات والأخطاء أيضًا عدم الفهم الصحيح لكيفية طلب العلم، فنحن نجد خللًا كبيرًا في أنواع العلوم التي يهتم بها بعض الإخوة، فربما ترى من حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو يدرس في علم القراءات وما تعلم شيئًا من التوحيد والعقيدة وما تعلم شيئًا من الفقه الواجب عليه؛ ككيفية الصلاة ونحو ذلك. وهناك من اهتم بعلم المصطلح والتصحيح والتضعيف وما تعلم التوحيد الواجب عليه وعلى كل مسلم؛ فهذا العلم خيرٌ بلا شك ولكن غيره أهم منه، بل وتعظم المُصيبة عندما ترى أحد الإخوة قد التزم منذ عدة سنوات وهو لم ينته من دراسة ولو كتابًا واحدًا في كل فن من الفنون.
 
كتاب في التوحيد وآخر في السيرة وآخر في الفقه وآخر في المصطلح مثلًا، ونحو ذلك. بل يقضي السنوات في حياته يتنقل ما بين هذا المسجد والمسجد الآخر، ما بين هذا الشيخ والشيخ الآخر، دون أن تكون له منهجية في طلب العلم، فربما أدى ذلك إلى خلل كبير في العبادات والمعاملات نظرًا لعدم التعلم والاجتهاد في طلب العلم. فلابد أن نتعلم ما يلزمنا ونحتاج إليه على الأقل، وهي العلوم المقصودة لذاتها، وهي التي يلزم كل مسلم ومسلمة تعلمها، الإسلام والإيمان والإحسان وأعمال القلوب الواجبة، كالإخلاص والصدق والخوف والرجاء ونحو ذلك. فلابد أن تكون هناك جدية في الالتزام بطلب العلم الشرعي.
 
ولكي نقف على حجم الخلل نطرح سؤالا كم من الكتب درسنا في المرحلة الابتدائية ثم الإعدادية ثم الثانوية وربما الجامعة؟ ثم كم من الكتب الشرعية درسنا وأنهينا دراستها؟
 
فهذا التخبط الذي يلاحظ الآن عند بعض الإخوة لابد أن يعالج بمنهج علمي منضبط في طلب العلم، وخصوصًا الإخوة الذين يطلبون العلم ثم يتصدرون للخطابة والمواعظ في المساجد، فيستحيل أن يُضيء المصباح بدون الفتيلة والوقود، يستحيل أن ينبت الزرع بدون الري، فلابد من معالجة هذه الآفة.([1])
 
فهناك أصول علمية لدعوتنا المباركة لابد من اتباعها ومعرفتها مع ما يلزم لكل مسلم من القرآن ما بين الحفظ والتلاوة والتدبر والتفسير ونحو ذلك.
 
وهناك خلل آخر في مسألة طلب العلم، وهو عدم الاستمرارية وكثرة أوقات الفتور وضعف الهمة أثناء الطلب، لابد أن يستقر عندنا المعنى الحقيقي للطلب.
 
ولما كان العلم أشرف الأشياء فلم يحصل إلا بالتعب والسهر وهجر اللذات والراحة، حتى قال بعض الفقهاء: بقيت سنتين أشتهي الهريسة لا أقدر؛ لأن وقت بيعها وقت سماع الدرس.
 
وقال يحيى بن كثير: لا يُنال العلم براحة الجسم، فلابد من التعب والصبر على كل عارض في الطريق من مصاعب وشدائد.
 
ومن يصطبـر للعـلـم يظفــر بنيلــــه         *  ومن يخطَب الحسناءَ يصبر على البذل
 
ومن لم يُـذلِّ النفس في طلب العُلى  *   يسيــــرًا يعش دهــــرًا طويـلاً أخــــــا ذُلٍّ
 
ولذلك كان علماؤنا وسلفنا يحرصون على طلب العلم حرصًا ليس له نظير، وهاك أمثلة:
 
* عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه  قال: كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار وهو أوسُ بن خَوَليِّ الأنصاري- في بني أمية بن زيد -أي: ناحية بني أمية- وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلتُ جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك.
 
* وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لرجل من الأنصار: هلم فلنسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم  فإنهم اليوم كثير، فقال: واعجبًا لك يا ابن عباس! أترى الناس يفتقرون إليك وفي الناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيهم؟ قال: فتركت ذاك، وأقبلت أسأل أصحاب رسول الله، وإن كان يبلغني الحديث عن الرجل فآتي بابه وهو قائل، فأتوسد ردائي على بابه، يسفي الريح عليَّ من التراب، فيخرج فيراني فيقول: يا ابن عم رسول الله ما جاء بك؟ هلا أرسلت إليَّ فآتيك؟ فأقول: لا؛ أنا أحق أن آتيك، فأسأله عن الحديث فعاش هذا الرجل الأنصاري حتى رآني وقد اجتمع الناس حولي يسألونني، فيقول: هذا الفتى كان أعقل مني.
ونستكمل فى المقال القادم بمشيئة الله تعالى .





([1])  أنصحك بقراءة رسالة «منهج الدعوة الإسلامية للعوام والدعاة والمدرسين» لفضيلة الشيخ الدكتور/ محمد بن إسماعيل المقدم حفظه الله، وهي من مطبوعات المدرسة السلفية (1397 هـ - 1977 م)، كذلك كتاب «منطلقات طالب العلم» للشيخ محمد حسين يعقوب ،