م. عبد المنعم الشحات - من يتصدى لدراسة علم مختلف الحديث - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و بعد:
من الممكن أن تذهب إلى العطار لتسأله عن عشبة مهدئة للسعال أو مساعدة على الهضم أو نحوها من الأمراض بناء على أن العلم بفوائد الأعشاب المشهورة قد ثبت عن التجربة المطردة والتى أيدت فى العصر الحديث بدراسات علوم النباتات؛ ومِن ثَمَّ فإن دور العطار لايتجاوز "التجارة" في الأعشاب شأنها شأن أي سلعة مع بعض الاهتمام بهذه المعرفة التي قاربت أن تكون عامة بين البشر.
 
ولكن الواقع أن كثيرًا من العطارين لا يقنع بهذا الدور فيفتش في الكتب القديمة عن وصفات لعلاج أمراض مستعصية، وحبذا لو كانت الوصفة ذاتها مستعصية باحتوائها على أعشاب نادرة أو أن يخبرك عن الاأعشاب بأسمائها الغير دراجة، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الوصفات ضارة أو أن دورها فى علاج المرض لا يرقى حتى إلى درجة الوقاية أو المكملات الغذائية، وهو مع هذا مزهوٌ بنفسه فخورٌ بعلمه منابذًا للأطباء منتقدًا مسالكهم وجهلهم وتخبطهم، وأن أدويتهم لها آثار جانبية وربما تطوع فزاد (ولكنهم يجهلونها).
 
والمشكلة أن بعض العامة ربما يحتج بأن الله قدر على يد العطار الشفاء من سعال عارض أو مغص يسير أنه بالفعل أتى بما لم ولن يستطيعه الأطباء؛ ومِن ثَمَّ فربما ترك علاج أمراض قاتلة، واكتفى بوصفة العطار فهذا إن لم تدركه رحمة ربه فهيأ له من أعاده إلى رشده وإلا فهو يقترب من أن يكون شريكًا مع ذاك العطار الجاهل فى قتل نفسه.
 
فإذا استصحبت ذلك المثال فعليك أن تستجمع أضعاف أضعافه وأنت ترى فلان وعلان وكأن الواحد منهم هو الذي إليه انتهت علوم المنقول والمعقول فى شرع الله عز وجل، وقدر ما يعرفه من الشرع لا يبلغ عُشْر ما يعرفه العطار من الطب، بل لعل علاقتهم بالشرع أقرب إلى علاقة حلاقة الصحة بالطب.
 
وهؤلاء قد يخرج الواحد منهم لكي يتحدث في "فقه المقاصد" ومفهوم "الوسطية" وهى أمور يعرفون بداياتها ويضطربون غاية الاضطراب فى أوساطها فضلًا عن نهايتها إذا تعارضت المصالح وتزاحمت وتداخلت العلل واحتاج الأمر على بصيرة لم يأخذوا بأسباب وجودها.
 
ولكن الأعجب من هذا أن يتصدى بعضهم لعلم من أجل العلوم، وهو علم "مختلف الحديث"، أو التصدي لشرح الأحاديث التي ظاهرها التعارض وهو بحر خِضَم كما قال شيخ الاسلام بن تيمية خاضه علماء أثبات كالشافعش وابن قتيبة والطحاوى وابن تيمية وابن القيم، وقال السخاوى فى شأن من يتصدى له: "وإنما يكمل به من كان إمامًا جامعًا لصناعتي الحديث والفقه، غائصًا على المعاني الدقيقة".
 
وهؤلاء المشار إليهم يعانون فوق معاناتهم التي ذكرناها من أمور منها:
 
- اعتمادهم على الكتب الطاعنة على ألسنة من كتب المعتزلة والشيعة والمستشرقين والمبشرين (وسيكون لنا وقفة معهم فى مقالة مستقلة بإذن الله تعالى) وهم مع ذلك يكتمون مصادرهم، ويصورون أنفسهم رؤوسًا في الباطل، وهم فيه أذناب الأذناب.
 
- جهلهم بوجود علم مستقل للرد على هذه الشبهات تأسس منذ بدايات ظهورها على يد الزنادقة فى القرن الثالث الهجري، فتصدى لهم أئمة أعلام من أبرزهم الشافعي وابن قتيبة ثم الطحاوي ثم شيخ الإسلام بن تيمية وابن القيم رحمهم الله تعالى، وهذا العلم المعنون بـ "مختلف الحديث"، وفى مثل هذا يقال
 
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة           أو كنت تدري فالمصيبة أعظم
 
- ترتب على هذا تصديهم لهذا العلم الذى لا يصلح له إلا الجهابذة، مع أن بضاعتهم في العلم الشرعي على النحو الذى نعرفه ونراه.
 
وبعد هذه المقدمة إليك تعريف مختصر بهذا العلم الشريف مستفاد من مختصر فى مقدمات هذا العلم كتبها: علي بن عبد الرحمن العويشز، فزدتها اختصار لتلاءم هذا المقال، وليكون فيه تعريف موجز بهذا العلم الشريف.
 
أولًا: تعريف مختلف الحديث في الاصطلاح:
يمكن تعريفه "أَنْ يأْتي حديثان مُتَضادَّان في المعنى ظاهرًا".


ثانيًا: مشكل الحديث في الاصطلاح:
يمكن تعريفه بأنه: الحديث الذي لم يظهر المراد منه لمعارضته مع دليل آخر صحيح.


ثالثًا: الفرق بين تعريف مختلف الحديث وتعريف مشكله:
عند التأمل في تعريف مختلف الحديث ومشكله يظهر لنا الفرق بينهما، وأوضح ذلك من خلال المختلف سببه معارضة حديث لحديث ظاهرًا.
بينما مشكل الحديث سبب الإشكال فيه قد يكون التعارض الظاهري بين آية وحديث، وقد يكون سببه التعارض الظاهري بين حديثين أو أكثر ، وقد يكون سببه معارضة الحديث للإجماع، وقد يكون سببه معارضة الحديث للقياس، وقد يكون سببه مناقضة الحديث للعقل، وقد يكون سببه غموضًا في دلالة لفظ الحديث على المعنى لسبب في اللفظ؛ فيكون مفتقرًا إلى قرينة خارجية تزيل خفاءه كالألفاظ المشتركة.

الفرق بين حكم مختلف الحديث ومشكله:
فالمختلف حكمه محاولة المجتهد التوفيق بين الأحاديث المختلفة بإعمال القواعد المقررة عند أهل العلم في ذلك.
وأما المشكل فحكمه النظر والتأمل في المعاني المحتملة للفظ وضبطها، والبحث عن القرائن التي تبين المراد من تلك المعاني
 
فائدة:
رغم الفرق الاصطلاحي بين المختلف والمشكل، إلا أن المؤلفات التي ألفت فى رد الشبهات عن السنة اعتنت بالنوعين، وإن كان عنوانها لا يدل إلا على أحدهما كتاوي مختلف الحديث لابن قتيبة، شمل قسمًا مما يصطلح على تسميته مشكل، وكذا مشكل الآثار للطحاوي، اشتمل على قسمًا مما يصطلح على تسميته مختلفًا.


رابعًا: أهمية علم مختلف الحديث:
- علم مختلف الحديث له أهمية كبيرة حيث أنَّ فهم الحديث النبويِّ الشريف فهمًا سليمًا، واستنباط الأحكام الشرعية من السنة النبويَّة على -صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم- استنباطًا صحيحًا لا يتم إلا بمعرفة مختلف الحديث. وما من عالم إلا وهو مضطرٌ إليه ومفتقر لمعرفته. ولذا فقد تنوعت عبارات الأئمة في بيان مكانة مختلف الحديث وعظيم منزلته، ومن ذلك قول ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى: "وهذا من أدق ما يمكن أن يعترض أهل العلم من تأليف النصوص وأغمضه وأصعبه". وقال أبو زكريا النووي رحمه الله تعالى: "هذا فنٌ من أهمِّ الأنواع، ويضطرُّ إلى معرفته جميع العلماء من الطوائف ". وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فإن تعارض دلالات الأقوال وترجيح بعضها على بعض بحر خضم".
 
- أنَّ النظر في طرق العلماء ومناهجهم في دفع إيهام الاضطراب عن أحاديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يُنمِّي لدى طالب العلم ملكة في التعامل مع النصوص الشرعية، وكذلك يربيه على تقديس وتعظيم وإجلال الوحي كتابًا وسنةً فلا يرد منها شيئًا، بل يجتهد في طلب التوفيق والجمع بينها؛ وذلك لعلمه أن نصوص الوحي لا تتعارض بحال. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فصلوات الله وسلامه على من يصدّق كلامه بعضه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، فالاختلاف والإشكال والاشتباه إنما هو في الأفهام، لا فيما خرج من بين شفتيه من الكلام، والواجب على كل مؤمن أن يَكِلَ ما أشكل عليه إلى أصدق قائل، ويعلم أن فوق كل ذي علم عليم).


أنَّ مختلف الحديث يكتسب أهميته من أهمية مُتعلقه، وهو فقه الحديث، وقد بلغ من عناية أئمة الحديث بهذا الشأن مبلغًا عظيمًا، حيث عدَّه بعضهم نصف العلم. قال الإمام علي ابن المديني -رحمه الله-: (التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم).


خامسًا: أشهر المصنفات فى  علم مختلف الحديث:
أنَّ كثيرًا من العلماء اعتنوا بمختلف الحديث عنايةً كبيرةً ، من هؤلاء إمام الأئمة ابن خزيمة -رحمه الله تعالى- فهو من أحسن الناس كلامًا فيه حتى قال عن نفسه: (لا أعرف حديثين متضادين، فمن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما).


ومن العلماء من صنف به مصنفات كالإمام محمد بن إدريس الشافعي في كتابه "اختلاف الحديث" الذي ذكر فيه طرفًا من الأخبار المتعارضة، ولم يقصد الاستقصاء. قال النووي رحمه الله تعالى: (وصنف فيه الإمام الشافعي ولم يقصد -رحمه الله- استيفاؤه، بل ذكر جملة ينبه بها على طريقه).


وممن صنف فيه كذلك أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدِّينَوَري رحمه الله تعالى في كتابه "تأويل مختلف الحديث "، وكان غرضه من هذا الكتاب (الرد على من ادَّعى على الحديث التناقض والاختلاف، واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين).
 
ومنهم أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي رحمه الله تعالى في كتابه "مشكل الآثار"، وهو من أعظم ما صنف في هذا الباب، وقد بيَّن في مطلع كتابه غرضه من تأليف الكتاب فقال: (وَإِنِّي نَظَرْتُ في الآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ عنه صلى الله عليه وسلم بِالأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَةِ التي نَقَلَهَا ذَوُو التَّثَبُّتِ فيها وَالأَمَانَةِ عليها وَحُسْنِ الأَدَاءِ لها، فَوَجَدْت فيها أَشْيَاءَ مِمَّا يَسْقُطُ مَعْرِفَتُهَا وَالْعِلْمُ بما فيها عن أَكْثَرِ الناس، فَمَالَ قَلْبِي إلَى تَأَمُّلِهَا وَتِبْيَانِ ما قَدَرْت عليه من مُشْكِلِهَا، وَمِنْ اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ التي فيها، وَمِنْ نَفْيِ الإِحَالاَتِ عنها، وَأَنْ أَجْعَلَ ذلك أَبْوَابًا أَذْكُرُ في كل بَابٍ منها ما يَهَبُ اللَّهُ عز وجل لي من ذلك منها، حتى أتى فِيمَا قَدَرْت عليه منها كَذَلِكَ مُلْتَمِسًا ثَوَابَ اللهِ عز وجل عليه، وَاَللَّهَ أَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ لِذَلِكَ وَالْمَعُونَةَ عليه، فإنه جَوَّادٌ كَرِيمٌ، وهو حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).


ومنهم من لم يفردوه بالتصنيف، لكنهم قد بثوه وفرقوه في كتبهم، من هؤلاء حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، وشيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وأبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، والحافظ أحمد بن علي العسقلاني، وشمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر (ابن قيم الجوزية) -رحمهم الله جميعًا- وغيرهم .
والأمر كما قال النووي -رحمه الله-: (وإنما يكمل له الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصوليون الغواصون على المعاني).


سادسا : بيان حقيقة الاختلاف الحقيقي والظاهري:
الاختلاف الحقيقي: هو التضاد التام بين حجتين متساويتين دلالةً وثبوتًا وعددًا ، ومتحدتين زمانًا ومحلًا، وهذا لا يمكن وقوعه في الأحاديث النبوية؛ لأنها وحي من الله تعالى قال الله سبحانه: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم 3 :4] والوحي يستحل وقوع الاختلاف والتناقض فيه لقوله تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيرًا) [النساء:82]، قال الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: (وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (لا يجوز أن يوجد في الشرع خبران متعارضان من جميع الوجوه، وليس مع أحدهما ترجيح يقدم به). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق).


الاختلاف الظاهري : وهو وهم يكون في ذهن الناظر ، ولا وجود له في الواقع. قال إبراهيم بن موسى الشاطبي رحمه الله: (كل من تحقق بأصول الشريعة فأدلتها عنده لا تكاد تتعارض، كما أن كل من حقق مناط المسائل فلا يكاد يقف في متشابه؛ لأن الشريعة لا تعارض فيها البتة؛ فالمتحقق بها متحقق بما في الأمر؛ فيلزم أن لا يكون عنده تعارض، ولذلك لا تجد البتة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما، بحيث وجب عليهم الوقوف، لكن لما كان أفراد المجتهدين غير معصومين من الخطأ أمكن التعارض بين الأدلة عندهم).


وهذا الاختلاف الظاهري له أسباب عديدة، قد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى شيئًا منها، فقال رحمه الله تعالى: (ونحن نقول لا تعارض بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض، فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه -صلى الله عليه وسلم-، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط، أو يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ، أو التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه -صلى الله عليه وسلم-، فلا بد من وجه من هذه الوجوه الثلاثة. وأما حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر، فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يُوجد في كلام الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- الذي لا يخرج من بين شفتيه إلا الحق، والآفة من التقصير في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه و معلوله، أو من القصور في فهم مراده -صلى الله عليه وسلم-، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا، ومن هنا وقع من الاختلاف والفساد ما وقع وبالله التوفيق). وقال كذلك: (وإن حصل تناقض فلابد من أحد أمرين: إما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، أو ليس من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن كان الحديثان من كلامه وليس أحدهما منسوخًا فلا تناقض ولا تضاد هناك البتة، وإنما يُؤتى من يُؤتى هناك من قبل فهمه، وتحكيمه آراء الرجال، وقواعد المذهب على السنة، فيقع الاضطراب والتناقض والاختلاف).


ومن خلال الكلام السابق لابن القيم يظهر أن أسباب التعارض والاختلاف ترجع إلى:
إما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه -صلى الله عليه وسلم-، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا، فالثقة يغلط.


وإما أن يكون أحد الحديثين ناسخًا للآخر، إذا كان مما يقبل النسخ.


وإما أن يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه -صلى الله عليه وسلم-.


وإما من جهة تقصير الناظر في معرفة المنقول، والتمييز بين صحيحه ومعلوله. أو من القصور في فهم مراده -صلى الله عليه وسلم-، وحمل كلامه على غير ما عناه به، أو منهما معًا.
أو تحكيم آراء الرجال، وقواعد مذهب من المذاهب على السنة النبوية على صاحبه أفصل الصلاة وأتم التسليم .
 
سابعا :مسالك أهل العلم في دفع مختلف الحديث:
القول الذي عليه جماهير أهل العلم في دفع التعارض الظاهري بين مختلف الحديث، هو أن يسلك المجتهد الطرق التالية:
الجمع بين الحديثين؛ لاحتمال أن يكون بينهما عموم وخصوص، أو إطلاق وتقييد، أو مجمل ومبين؛ لأن القاعدة المقررة عند أهل العلم أن إعمال الكلام أولى من إهماله، قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجها يمضيان معًا، إنما المختلف ما لم يمضِ إلا بسقوط غيره، مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد هذا يحله وهذا يحرمه). قال الخطابي رحمه الله تعالى: (وسبيل الحديثين إذا اختلفا في الظاهر وأمكن التوفيق بينهما وترتيب أحدهما على الآخر، أن لا يحملا على المنافاة، ولا يضرب بعضها ببعض، لكن يستعمل كل واحد منهما في موضعه، وبهذا جرت قضية العلماء في كثير من الحديث).


النسخ: إن لم يمكن الجمع بين الحديثين، نُظِر في التاريخ؛ لمعرفة المتأخر من المتقدم، فيكون المتأخر ناسخًا للمتقدم، قال الشافعي رحمه الله: (فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف كما اختلفت القبلة نحو بيت المقدس والبيت الحرام كان أحدهما ناسخًا والآخر منسوخًا).


الترجيح:
إن لم يمكن الجمع ، ولم يقم دليل على النسخ ، وجب المصير إلى الترجيح الذي هو تقوية أحد الحديثين على الآخر بدليل لا بمجرد الهوى. قال الشافعي رحمه الله تعالى: (ومنها ما لا يخلو من أن يكون أحد الحديثين أشبه بمعنى كتاب الله أو أشبه بمعنى سنن النبي -صلى الله عليه وسلم- مما سوى الحديثين المختلفين أو أشبه بالقياس، فأي الأحاديث المختلفة كان هذا فهو أولاهما عندنا أن يصار إليه). وقال الشوكاني رحمه الله في مبحث وجوه الترجيح بين المتعارضين: (إنه متفق عليه، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، ومن نظر في أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن بعدهم، وجدهم متفقين على العمل بالراجح وترك المرجوح).


التوقف: إذا تعذر كل ما تقدم من الجمع والنسخ والترجيح، فإنه يجب التوقف حينئذ عن العمل بأحد الحديثين حتي يتبين وجه الترجيح. قال الشاطبي رحمه الله تعالى: (...التوقف عن القول بمقتضى أحدهما، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح...). قال السَّخاوي رحمه الله تعالى: (ثم التوقف عن العمل بأحد الحديثين، والتعبير بالتوقف أولى من التعبير بالتساقط؛ لأن خفاء ترجيح أحدهما على الآخر إنما هو بالنسبة للمعتبر في الحالة الراهنة مع احتمال أن يظهر لغيره ما خفي عليه، وفوق كل ذي علم عليم).