أحمد عبدالسلام ماضي - بين التنزيل والتأويل - بوابة الفتح الالكترونية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فإن من القواعد الثابتة عند أهل الإسلام تعظيم الوحي وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يُسمَّى التنزيل، ويتفرَّع على التنزيل ما يُسمَّى بالتأويل (التفسير).
 
والتأويل: هو معرفة معاني كتاب الله سبحانه وتعالى والمراد به، وقد يكون المعنى واضحًا في القرآن أو أُجْمِل في موضع وفُسِّر في آخر، مثل "فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ" ولم يُبَيِّن ما هي الكلمات، وفي آية أخرى بُيِّنَت وهي: "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ". وقد يكون البيان في السُّنَّة مثل بيان عدد الصلوات والركعات وشروط وأركان الصلاة، ومثل بيان ما هي السرقة التي تُقطع فيها اليد والنصاب المشترط للقطع، يتبين من هذين المثالين حاجة القرآن إلى بيان السُّنَّة.
 
فإذا أُهدرت السُّنَّة أصبح كثير من معاني القرآن مُجملًا خفيًّا يتلاعب به أهل الأهواء.
 
وهناك بيان آخر وهو ما اتفق أهل العلم من السلف في بيانه وتأويله، مثل قول الله تعالى: "مَا كَانَ مُحَمدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَسُولَ اللِّه وَخاَتم النَبِيِّينَ" فكلمة (خاتم) هنا المقصود بها آخر النبيين وهذا ما اتفق عليه السلف ونُقِل إلى الخلف، واتفقوا على أن مَن خالف ذلك فهو فقد كفر –أي: من ادَّعى نبوة أحد بعد محمد صلى الله عليه وسلم- كدعوى الطوائف القديانية والبهائية بأن هناك نبيًّا بعد محمد صلى الله عليه وسلم ويتأولون "خاتم" بمعنى زينة وهذا مما يخالف السُّنَّة أولًا في حديث "لا نبيَّ بعدي" وفهم السلف ثانيًا، فإجماع السلف حجة، وقد دلَّ القرآن على وجوب اتباع السلف -الصحابة الكرام- فقال تعالى: "فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا"، وحذَّر سبحانه وتعالى من مخالفة سبيلهم "وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً".
 
فالخروج عن سبيل المؤمنين وطريقة السلف في فهم النصوص الشرعية وتطبيقها؛ علامة على الزيغ والضلال، فمن نقل التنزيل نقل التأويل، ولذا بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم المرجع عند اختلاف الأمة فقال : "من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين مِن بعدي ..." فلم يَقُلْ سُنَّتِي فقط، بل ألحق بها سُنَّة الخلفاء الراشدين، وهذا مما يدل على أهمية هذا القيد (فهم السلف)، فالطعن في السلف خطوة من أهل البدع والضلال للطعن في الدين، فإننا إذا أهدرنا فهم السلف وخاصة المسائل التي اتفقوا وأجمعوا عليها صارت النصوص الشرعية أُلعوبة في أيدي أهل الأهواء والزيغ، لذا اتَّجه أهل الزيغ -كالبحيري وغيره- إلى التشكيك في علماء المذاهب والحديث، ويُشكِّكُون في الإجماع ثم يُشكِّكُون في السُّنَّة، فَهُمْ بذلك إن لم يصلوا إلى الطعن في القرآن مباشرةً أصبح القرآن مجرَّد نصوصٍ مُجمَلة، ليس هناك تفسيرٌ لها واضحٌ مما يفتح الباب لأهل الزيغ والأهواء ليستدل كلٌّ منهم على منهجه الفاسد بما شاء من القرآن كما يفعل القرامطة والباطنية والشيعة الرافضة وغلاة الصوفية.
 
نقول لهؤلاء جميعًا: إن الدين قد كَمُل "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي" وقد حُفِظَ التنزيل والتأويل "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" حتى لو فسرنا الذكر بأنه القرآن فقط فهذا يستلزم حفظ بيانه من السُّنَّة ومنهج السلف، ونحن بحمد الله أمة مُسْنِدَة؛ نقلت السُّنَّة بالأسانيد، بل نقلت منهج السلف وعقائدهم بالأسانيد التي لا يعرفها ولا يعرف خفاياها إلا فطاحل العلماء والأكابر مِن المحدثين كأحمد بن حمبل ويحيى بن معين وأبي زرعة الرازي والبخاري ومسلم وغيرهم.
 
وعلم الأسانيد علم دقيق يعجز عنه الأصاغر والجهلاء.
 
ختامًا: فإن من أهم ما ندفع به تلك الهجمة الشرسة على ثوابت الأمة؛ الاعتناء بنشر العلم والسُّنَّة ومنهج السلف وقراءة البخاري ومسلم في المساجد.
فعودًا حميدًا يا شباب المسلمين ويا طلبة العلم إلى مصدر عزكم ومجدكم.