د.إبراهيم بركات - زاد المتقين إتقان العبادة والاستعانة والتوكل برب العالمين - بوابة الفتح الالكترونية
د.إبراهيم بركات
2015-06-16 03:13:00

قال الله تعالى في أم القرآن والسبع المثايى والقرآن العظيم "إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" وهذه السورة هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع مِن المثاني والقرآن العظيم، وهي الشافية، وهي الواجبة في الصلوات لا صلاة إلا بها، وهى الكافية تكفي من غيرها، ولا يكفى غيرها عنها.
 
والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلفة مِن كلم طيب، وعمل صالح، فأفضل كلمها الطيب وأوجبه أم القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود، وكما جمع ربنا بين الأمرين في أول سورة أنزلها على رسوله صلى الله عليه وسلم، حيث افتتحها بقوله تعالى: "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" وختمها بقوله: "وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ"؛ فوضعت الصلاة على ذلك، أولها القراءة وآخرها السجود، ولهذا قال سبحانه في صلاة الخوف: "فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ"، والمراد بالسجود الركعة التي يفعلونها بعد مفارقتهم للإمام، وما قبل القراءة مِن تكبير واستفتاح واستعاذة هي تحريم للصلاة ومقدمة لما بعدها، وأول ما يبدأ به كالتقدمة، وما يفعل بعد السجود مِن قعود وتشهد، فيه التحية لله والسلام على عباده الصالحين والدعاء والسلام على الحاضرين، فهو تحليل للصلاة ومعقبة لما قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»؛ ولهذا تنازع العلماء أيهما أفضل: كثرة الركوع والسجود أو طول القيام، أو هما سواء؟ على ثلاث أقوال عن أحمد وغيره، كان الصحيح أنهما سواء، القيام فيه أفضل الأذكار، والسجود أفضل الأعمال، فاعتدلا، ولهذا كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدلة، يجعل الأركان قريبًا مِن السواء، وإذا أطال القيام طولًا كثيرًا كما كان يفعل في قيام الليل وصلاة الكسوف أطال معه الركوع والسجود، وإذا اقتصد فيه اقتصد في الركوع والسجود.
 
وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة فهي أفضل سورة في القرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا الزبور ولا القرآن مثلها، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»، وفضائلها كثيرة جدًّا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح، حديث قسمة الصلاة أن الله تعالى يقول: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل»، فقد ثبت بهذا النص أن السورة قسمة بين الله وبين عبده، وأن هاتين الكلمتين مقتسم السورة فـ?إِيَّاكَ نَعْبُدُ? مع ما قبلها لله، و?وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ? مع ما بعدها للعبد وله ما سأل، ولهذا قال مَن قال مِن السلف: «نصفها ثناء ونصفها مسألة».
 
وكل واحد مِن العبادة والاستعانة دعاء، وإذا كان قد فرض علينا أن نناجيه وندعوه بهاتين الكلمتين في صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن نستعينه في سائر أمور حياتنا.
 
فإن ذلك قد يحصل أصله بمجرد القلب، أو القلب والبدن، بل أوجب دعاء الله عز وجل ومناجاته وتكليمه ومخاطبته بذلك، ليكون الواجب مِن ذلك كاملًا صورة ومعنى بالقلب وسائر الجسد.
 
وقد جمع بين هذين الأصلين الجامعين إيجابًا في مواضع، كقوله في آخر سورة هود: "فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ"، وقول العبد الصالح شعيب: "وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ"، وقول إبراهيم والذين معه: "رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"، وقوله سبحانه: "كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ" فأمر نبيه بأن يقول على الرحمن توكلت وإليه متاب، كما أمر بهما في قوله: "فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ"، والأمر له أمر لأمته، أمره بذلك في أم القرآن وفي غيرها لأمته؛ ليكون فعلهم ذلك طاعة لله وامتثالًا لأمره لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله، ولهذا كان عامة ما يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم، والخالصون مِن أمته مِن الأدعية والعبادات وغيرها، إنما هو بأمر الله، بخلاف مَن يفعل ما لم يؤمر به وإن كان حسنًا أو عفوًا، وهذا أحد الأسباب الموجبة لفضله وفضل أمته على مَن سواهم، وفضل الخالصين مِن أمته على المشوبين الذين شابوا ما جاء به وبغيره؛ كالمنحرفين عن الصراط المستقيم، وإلى هذين الأصلين كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد في عبادته وأذكاره ومناجاته؛ مثل قوله في الأضحية: «اللهم هذا مِنك ولك وإليك»، فإن قوله: «منك» هو معنى التوكل والاستعانة، وقوله: «لك» هو معنى العبادة، ومثل قوله في قيامه مِن الليل: «لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت، والجن والإنس يموتون» إلى أمثال ذلك.
 
لذا إذا اشتدت الفتن وكثر الاختلاف لابد لمن أراد النجاة مِن بذل الجهد في طاعة الله عز وجل والمداومة على ذكره وشكره وحسن عبادته وحسن التوكل عليه والصبر على ذلك، وأن ينظر كل راغب في الفوز إلى حاله وقلبه؛ لأن الطاعة والامتثال مِن أعظم الأسباب الموجبة لفضل الله عز وجل، لذلك فإن نسق الحياة مع الجماعة وبركة الأداء والطاعة والحياة داخلها والصبر على الإيثار والبذل والتسابق على الخيرات مِن أعظم أسباب تنزُّل الرحمات وشمول الفضل والرضوان والبركة على الأمة كلها، ويظهر ذلك جليًّا في جماعية الصلاة "قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ".
 
وصلِّ اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسَلِّم.
(دقائق التفسير الجامع لتفسير شيخ الإسلام ابن تيمية مع تصرف يسير وزيادة).