د. أحمد فريد - مِن أخلاق النصر في جيل الصحابة رضي الله عنهم - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-07-02 17:31:00

قال الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَبُثُّ عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم مما أفاضه الله على فؤاده مِن أمل رحيب في انتصار الإسلام وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب، ولقد اتخذ المستهزءون مِن هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم، فكان الأسود بن عبد المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتغامزون بهم ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدًا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفرون ويصفقون».
 
وقال صفي الرحمن المباركفوري: «وكان القرآن ينزل بهذه البشارات مرة بالتصريح وأخرى بالكناية، ففي تلك الفترات القاصمة التي ضُيِّقَت الأرض على المسلمين وكادت تخنقهم وتقضي على حياتهم، كانت تتنزل الآيات بما جرى بين الأنبياء السابقين وبين أقوامهم الذين قاموا بتكذيبهم والكفر بهم، وكانت تشتمل هذه الآيات على ذكر الأحوال التي تطابق تمامًا أحوال مسلمي مكة وكفارها، ثم تذكر هذه الآيات بما تمخضت عنه تلك الأحوال مِن إهلاك الكفرة والظالمين وإيراث عباد الله الأرض والديار، فكانت في هذه القصص إشارات واضحة إلى فشل أهل مكة في المستقبل ونجاح المسلمين مع نجاح الدعوة الإسلامية».
 
ففي هذه الفترات نزلت آيات تُصَرِّح ببشارة غلبة المؤمنين:
 
قال تعالى: ?وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (???) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (??2) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (??3) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (??4) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (??5) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (??6) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ? (الصافات: 171- 177).
 
وقال: ?سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ? (القمر: 45).
 
وقال: ?جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزَابِ? (ص: 11).
 
ونزلت في الذين هاجروا إلى الحبشة: ?وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ? (النحل: 41).
 
وحينما كانت الحرب مشتعلة بين الفرس والرومان، وكان الكفار يحبون غلبة الفرس بصفتهم مشركين، والمسلمون يحبون غلبة الرومان بصفتهم مؤمنين بالله والرسل والوحي والكتب واليوم الآخر، وكانت الغلبة للفرس؛ أنزل الله عز وجل بشارة غلبة الروم، ولكنه لم يقتصر على هذه البشارة، بل صرَّح ببشارة أخرى وهي نصر المؤمنين، حيث قال: ?وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ? (الروم: 4-5).
 
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه يقوم بمثل هذه البشارات بين آونة وأخرى، فكان إذا وافى الموسم وقام بين الناس في عكاظ ومجنَّة وذي الحجاز لتبليغ الرسالة، لم يكن يبشرهم بالجنة فحسب، بل يقول لهم بكل صراحة: «يا أيها الناس؛ قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، فإذا متُّم كنتم ملوكًا في الجنة».
 
وقال صلى الله عليه وسلم لخباب: «وليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب مِن صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله»، زاد بيان: «والذئب على غنمه»، وفي رواية: «ولكنكم تستعجلون».
 
فكان مِن ثقة الصحابة رضي الله عنهم بنصر الله عز وجل يتهمهم المنافقون والذين في قلوبهم مرض بالغرور، كما قال تعالى: ?إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَ?ؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ? (الأنفال: 49).
 
1- فهذا خالد بن الوليد يقول للروم وقد تحصَّنوا بالحصون: «أيها الروم؛ انزلوا إلينا، فوالله لو كنتم معلقين بالسحاب لرَفَعَنا الله إليكم أو لأنزلكم إلينا».
 
2- ووقف الفارس المسلم طارق بن زياد على شاطئ الأطلنطي وقال: «والله يا بحر لو أعلم أن وراءك أرض تفتح في سبيل الله لخضتك بفرسي هذا».