شحاتة صقر - دماء في بيت الله الحرام‏ - بوابة الفتح الالكترونية
شحاتة صقر
2015-07-16 03:12:00

لقد جعل الله سبحانه وتعالى لمكة مكانةً عظيمة، ومنزلةً رفيعة، فقد حبس عنها الفيل وأصحابَه، ومن عظيم مكانتها أن الله تعالى حرمها من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، فلا يحل لأحد أن يسفك بها دمًا، ولا أن يُنَفَّر صَيدُها، أو يُقطع شوكها، أو يقطع شجرها، ولا يجوز أن تؤخذ لُقَطَتُها إلا لمن أراد أن ينشدها ويعَرِّف بها، قال تعالى عن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج: 25].
 
قال الشيخ السعدي: ومن يرد في المسجد الحرام الميْلَ عن الحق ظلمًا فيَعْصِ الله فيه، نُذِقْه مِن عذاب أليم موجع. هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم، فمجرد إرادة الظلم والإلحاد في الحرم، موجِبٌ للعذاب، وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم». اهـ.
 
وقد كانت العرب في الجاهلية تمتنع في الحرم عما تستحله في غيره، فكان الرجل منهم لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يعرض له حتى يخرج منه. ولما أراد كفار قريش قتل خبيب بن عدي – رضي الله عنه - أخرجوه خارج الحرم ؛ وذلك تعظيمًا للحرم. فإذا كان هذا تعظيم المشركين للحرم فإنك تعجب ممن يعتدون بالسَّبِّ وغيره في بيت الله الحرام على بعض المعتمرين ومنهم العلماء والدعاة، ولكن قد ينقضي العجب عندما تعلم أن في التاريخ الإسلامي سلفًا لهؤلاء هم أشد منهم فتنة دفَعَهم الجهلُ أو الكيد للإسلام وأهله إلى ارتكاب ما هو أشنع مِن فِعل هؤلاء، فالسلوك مرآة الفكر وكل إناء بما فيه ينضحُ، والانحراف العقدي لا يقف بصاحبه عند حد. القرامطة حركة باطنية هدامة تنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث ويلقب بقرمط لقِصَر قامته وساقيه، وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت، وحقيقتها الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية، وذلك بارتكاب الكبائر وهتك الأعراض وسفك الدماء والسطو على الأموال وتحليل المحرمات بين أتباعهم حتى يجمعوا عليهم أصحاب الشهوات والمراهقين وأسافل الناس فكان مجتمع القرامطة مجتمع ملاحدة وسفاكين يستحلون النفوس والأموال والأعراض. [ومن أراد التفاصيل عن عقيدة هؤلاء المجرمين فعليه بـ"الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة" (1/ 378-382)]. ومن مآسي المسلمين التي لا تُنسى هجوم القرامطة على مكة عام 319هـ، فبينما كان المسلمون يطوفون حول الكعبة اكتسحها جيش من الشيعة القرامطة وذبحوا في يوم واحد ثلاثين ألف حاج من الرجال والنساء والأطفال. هدم القرامطة بئر زمزم ورمَوْا فيها مئات الجثث من الذين قتلوهم من الحجيج حتى امتلأت البئر بالجثث وجمعوا فوقها بقية الجثث حتى صارت الجثث جبلا ضخمًا، وأمر قائد القرامطة جيشه بخلع باب الكعبة. وهرب الحجيج من جيش القرامطة وتعلق بأستار الكعبة (1700) رجل وامرأة فنادى قائد القرامطة: ابدأوا بهم فاذبحوهم .
 
وجمع قائد القرامطة حاجّات بيت الله حول الكعبة وفي حجر إسماعيل وأمر جنوده باغتصابهن علنًا ثم ذبحوهن ورموا جثثهن في بئر زمزم. دنس القرامطة الكعبة ونهبوا منها كنوزا عظيمة كان الملوك يهدونها للكعبة المشرفة وساقوها معهم إلى القطيف. وتبول قائد الشيعة القرامطة على الكعبة المشرفة وأمر أن يُهدم مكان الحجر الأسود ثم حملوه معهم إلى القطيف، وأعيد الحجر الأسود إلى الكعبة بعد أن بقي عندهم (20) سنة. وفي عام (470) هـ تجمع المسلمون وهزموا القرامطة في معركة الخندق شمال الإحساء وكانت تلك نهايتهم.
 
وعلى خطى القرامطة في انتهاك حرمات الله في بيت الله الحرام سار شيعة إيران في عهد الخوميني، ففي عام 1406 هـ 1986م عرض التلفزيون السعودي صورًا لمادة TNTوهي مادة شديدة الانفجار أدخلها الشيعة الإيرانيون إلى البلاد المقدسة !!! ولكن الله سلم الحجاج،وفي يوم الجمعة السادس من ذي الحجة 1407هـ، الموافق 7/8/ 1987 قام الشيعة التابعون لحكومة إيران في ولاية الخميني بالمسيرات والمظاهرات الغوغائية في حرم الله في مكة المكرمة، وعاثوا في الحرم فسادًا، وقاموا بقتل عدد من رجال الأمن والحجاج، وكذلك قاموا بتكسير أبواب المتاجر وتحطيم السيارات وأوقدوا النار فيها وفي أهلها، وقُدِّر عدد القتلى في ذلك اليوم بـ(402) قتيل منهم (85) من رجال الأمن والمواطنين السعوديين و42 شخصًا من بقية الحجاج الآخرين الذين تصدوا للمسيرة من مختلف الجنسيات و275 شخصًا من الحجاج الإيرانيين المتظاهرين ومعظمهم من النساء، بينما بلغ عدد المصابين بإصابات مختلفة نحو 649 جريحا من بينهم 145 من السعوديين رجال أمن ومواطنين، و201 من حجاج بيت الله، و303 من الإيرانيين. أما الخسائر المادية فكانت عبارة عن إحراق ثلاث سيارات وثلاث دراجات تابعة لرجال الأمن، وتحطيم عشرات السيارات من سيارات الأمن والمواطنين والحجاج.
 
الشيعة الشجعان كانوا ينددون بأمريكا بالسكاكين وجميع أنواع الأسلحة البيضاء في حرم الله الآمن!!!! في شهر الله الحرام!!!! نعم لقد نددوا بالأمريكان ـ الشيطان الأكبر ـ وقتلوا العشرات من الناس ومن الجنود ومثّلوا بالجثث وعلقوها في أعمدة النور ... ولكن هل الأمريكان موجودون هناك؟؟ هذا هو التنديد بأمريكا!!!وإنك لتعجب من خلو شوارع طهران وقم والنجف وكربلاء من التنديد بأمريكا على كثرة وطول المناسبات عندهم، وتعجب من موالاتهم لأمريكا، وفي عام 1409 ه/ 1989م قام بعض الشيعة الكويتيين بالتفجير قرب الحرم المكي ففي الساعة العاشرة مساءً حدث انفجاران: الأول في أحد الطرق المؤدية للحرم المكي والآخر فوق الجسر المجاور للحرم المكي، ونتج عن ذلك وفاة شخص واحد وإصابة ستة عشر آخرين، ثم ألقت الشرطة السعودية القبض على 20 حاجا كويتيا، اتُّهِم منهم 16 بتدبير التفجير وعُرضت "اعترافات" لهم على التلفزيون السعودي ثم عرضوا على المحكمة، وبعد بضعة أيام أمر الملك" فهد بن عبد العزيز "بضرب أعناقهم بالسيف، وتم تنفيذ الحكم في 21 سبتمبر 1989. وبعيدًا عن انحرافات الشيعة وقعت حادثة مؤلمة في الحرم المكي بدأت أحداثها فجر أول يوم من شهر الله المحرم عام 1400 هـ الموافق 20نوفمبر 1979م، حين استولى 61 مسلحًا على الحرم المكي، في محاولة لقلب نظام الحكم في المملكة العربية السعودية إبان عهد الملك خالد بن عبد العزيز، هزت العملية العالم الإسلامي برمته، فمن حيث موعدها فقد وقعت مع فجر أول يوم في القرن الهجري الجديد، ومن حيث عنفها فقد تسببت في سفكٍ للدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة بعض رجال الأمن والكثير من المسلحين المتحصنين داخل الحرم.
 
من وجهة نظر جهيمان العتيبي قائد العملية، القرن الهجريّ الجديد قادم، وصهره ورفيقه يسمّى "محمد بن عبد الله"، و"الفساد" مستشر، و"البعد" عن الصراط المستقيم ظاهر، إذن، لم يبق إلا بيت الله الحرام ليلوذ إليه "المهدي المنتظر"، وتتحقق البشارة، وقد برر جهيمان العتيبي قائد العملية هجومه باعتباره محاولة "لتصحيح الوضع الذي تسبب به آل سعود، الفاقدون للشرعية" على حد وصفه، "بسبب فسادهم وتدميرهم لثقافة البلاد وحضارتها ونهجهم في اتباع الغرب" وموالاته. إضافة إلى دعوته إلى مبايعة محمد عبد الله القحطاني، خليفةً للمسلمين، وإمامًا لهم على أنه المهدي المنتظر. بعد صلاة الفجر من يوم 1 محرم 1400 هـ الموافق 20 نوفمبر 1979م، وقف جهيمان العتيبي وبجانبه محمد عبد الله القحطاني، ليعلن أمام المصلين خروج المهدي، وطلب منهم مبايعة محمد القحطاني باعتباره المهدي الواجب اتباعه، وفي هذه الأثناء، كان أفراد جماعة جهيمان - والذين تبين فيما بعد أنهم من 12 دولة مختلفة بينهم أميريكِيّان - قد وزعوا أنفسهم على أبواب الحرم، وبدأوا في إغلاقها بمجرد بدء الإمام في القراءة، وبعد إصدار فتوى تبيح اقتحام المسجد الحرام بالأسلحة وبعد انقضاء أسبوعين على الحصار، بدأ الهجوم في العاشرة صباحًا من يوم الثلاثاء 14 محرم 1400 هـ الموافق 4 ديسمبر 1979 م ، واستمر حتى حلول المساء حيث تمكنت قوة سعودية من الاستيلاء على الموقع وتحرير الرهائن في معركة تركت وراءها نحو 28 قتيلاً من الإرهابيين منهم المهدي المزعوم محمد بن عبد الله القحطاني. وقرابة 17 جريحًا من قوات الأمن والمصلين، وتم إخراج الباقين أحياء ومنهم جهيمان العتيبي الذي أُعدم فيما بعد،تم أسْر من تبقى من الجناة على قيد الحياة ومن بينهم جهيمان العتيبي، ونفذ في الناجين حكم الإعدام في 9 يناير 1980 بعد أن قسموا إلى أربع مجموعات أعدم أفرادها في ساحات أربع مدن رئيسية في البلاد، وقد أدت هذه الفتنة إلى انتهاك حرمات بعضها أعظم من بعض: حرمة البلد الأمين وبيت الله الحرام، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة دماء المسلمين، وتحريم ترويع المسلم، وتعطيل ذكر الله والأذان والصلاة والطواف والسعي، وإحصار المعتمرين في أشرف بيوت الله، وأحب بلاد الله إلى الله وإلى رسوله، صلى الله عليه وآله وسلم. (ومن أراد الاستزادة في تفاصيل ذلك فعليه بكتاب "المهدي وفقه أشراط الساعة" للشيخ محمد بن إسماعيل المقدَّم، حفظه الله.(