د. أحمد فريد - مِن أسرار التنزيل - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-07-30 00:32:00

الحمد لله الذي نوَّر بكتابه القلوب، وأنزله في أوجز لفظ وأعجز أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء، وأبكمت فصاحته الخطباء.
 
أحمده أن جعل الحمد فاتحة أسراره، وخاتمة تصاريفه وأقداره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى الظافر مِن المحامد بالخصل، والظاهر بفضله على ذوي الفضل، معلم الحكمة وهادي الأمة، أرسله بالنور الساطع، والضياء اللامع، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار وصحبه الأخيار.
 
فإن أولى ما أعملت فيه القرائح أو علقت به الأفكار اللواقح، الفحص عن أسرار التنزيل، والكشف عن حقائق التأويل، الذي تقوم به المعالم، وتثبت الدعائم، فهو العصمة الواقية، والنعمة الباقية، والحجة البالغة، والدلالة الدامغة، وهو شفاء الصدور، والحكم العدل عند مشتبهات الأمور، وهو الكلام الجزل، وهو الفصل الذي ليس بالهزل، سراج لا يخبو ضياؤه، وشهاب لا يخمد نوره وسناؤه، وبحر لا يدرك غوره.
 
بهرت بلاغته العقول، وظهرت فصاحته على كل مقول، وتظافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ومجازه، وتقارن في الحسن مطالعه ومقاطعه، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه، قد أحكم الحكيم صيغته ومبناه، وقسم لفظه ومعناه إلى ما ينشط السامع، ويقرِّط المسامع، مِن تجنيس أنيس، وتطبيق لبيق، وتشبيه نبيه، وتقسيم وسيم، وتفصيل أصيل، وتبليغ بليغ.
 
هذا وكم فيه مِن المزايا ** وفي زواياه مِن خبايا
 
فسبحان مَن سلكه ينابيع في القلوب، وصرفه بأبدع معنى وأعزب أسلوب.
 
أندى على الأكباد مِن قطر الندى ** وألذ في الأجفان مِن سنة الكرى
 
يملأ القلوب بشرًا، ويبعث القرائح عبيرًا ونشرًا، يحيي القلوب بأوراده، ولهذا سماه الله روحًا فقال تعالى: ?يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ? (غافر: 15).
 
فسماه روحًا؛ لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولولا الروح لمات الجسد، فجعل هذا الروح سببًا للاقتدار، وعلمًا على الاعتبار.
 
يزيد على طول التأمل بهجة ** كأن العيون الناظرات صياقل
 
وإنما يفهم بعض معانيه، ويطلع على أسراره ومبانيه مَن قوي نظره، واتسع مجاله في الفكر وتدبره، وامتد باعه ورقت طباعه، وامتد في فنون الأدب، وأحاط بلغة العرب.
 
فإني أردت بهذا المقال أن أقترب مِن منابيع الخير والفضل والبركة، وأن أشرف ناظري وأنظار الناظرين في مقالي، وأشنف آذان السامعين لكلامي بهذا المختصر المبين لعلوم القرآن العظيم، فإنها مِن أشرف العلوم كما صح عن المعصوم: «خيركم مَن تعلم العلوم وعلمه»، وكيف يتصدى المسلم لتعليم القرآن وهو لم يتعلم علومه، والمراد بعلوم القرآن: العلوم التي تتناول الأبحاث المتعلقة بالقرآن مِن حيث معرفة أسباب النزول، وجمع القرآن وترتيبه، ومعرفة المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والمحكم والمتشابه، وهي التي تسمى أيضًا بأصول التفسير؛ لأنها تتناول المباحث التي لا بد للمفسر مِن معرفتها لتفسير القرآن العظيم، وقد ألف في ذلك تآليف رائقة رائعة، وأجلها في نظري «البرهان في علوم القرآن» للزركشي، وذكر فيه سبعة وأربعين علمًا مِن علوم القرآن ثم قال: واعلم أنه ما مِن نوع مِن هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه، لاستفرغ عمره، ثم لم يحكم أمره، ولكن اقتصرنا مِن كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير.
 
قالوا خذ العين مِن كل فقلت لهم ** في العين فضل ولكن ناظر العين
 
وبنى السيوطي أشهر كتبه «الإتقان في علوم القرآن» على «البرهان»، وزاد في علومه حتى أوصلها إلى ثمانين علمًا، وقد صنف في مفردات هذه العلوم تصانيف بديعة مِن الناسخ والمنسوخ، وإعجاز القرآن، وعلم التفسير، وكل ما صنف عن الكتاب الكريم لا يبلغ قطرة في بحره اللجي، فإن علم جميع المخلوقين لا يساوي قطرة في علم الله عز وجل، ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده مِن بعده سبعة أبحر، ما كفى ذلك بيان ما في القرآن من خير وحكم وبلاغة وهداية، والله تعالى هو الفتاح العليم يفتح على العباد مِن الفهم والخير في القرآن بحسب إيمانهم، وحبهم، وانشغالهم بالقرآن.
 
شهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه شابًا سمع قول الله تعالى: ?أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى? قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا? (محمد: 24) فقال: على قلوب أقفالها حتى يفتحها الله عز وجل، فلما استخلف عمر استعمل هذا الشاب.
 
فإذا كشفت عن القلوب حجب الغفلة وفتحت أقفالها فتح على العبد في فهم القرآن؛ فالقرآن كتاب هداية، قال تعالى: ?إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ? (الإسراء: 9).
 
فهو يهدي لأقوم العقائد والأخلاق والأقوال والأحوال والأعمال، فمهما اقترب المؤمن مِن القرآن بكثرة التلاوة والتدبر والقيام به بالليل والعمل به بالنهار؛ ارتقت به أحوال العبد، وزكت أعماله، وصحت عقائده، وحسنت أخلاقه، فهو هداية كاملة للمؤمنين المتقين، وهداية بيان للناس أجمعين، وإذا أراد العبد أن يختبر إيمانه هل هو مِن أهل الإيمان أو مِن أهل الشكوك والكفران، كيف هو عند سماع القرآن، أو عند تلاوته، قال تعالى: "وَإِذا ما أُنزِلَت سورَةٌ فَمِنهُم مَن يَقولُ أَيُّكُم زادَتهُ هـذِهِ إيمانًا فَأَمَّا الَّذينَ آمَنوا فَزادَتهُم إيمانًا وَهُم يَستَبشِرونَ * وَأَمَّا الَّذينَ في قُلوبِهِم مَرَضٌ فَزادَتهُم رِجسًا إِلى رِجسِهِم وَماتوا وَهُم كافِرونَ" (التوبة: 124، 125)، وقال عز وجل: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" (الأنفال: 20).
 
قال عثمان رضي الله عنه: «لو طهرت قلوبكم ما شبعت مِن كلام ربكم»، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَن أراد أن يعرف أنه يحب الله فليعرض نفسه على القرآن؛ فإن أحب القرآن، فإنه يحب الله، فإن القرآن كلام الله».
 
وكان يُقبِّل المصحف ويقول: «كلام ربي .. كلام ربي».
 
وقال خباب بن الأرت رضي الله عنه لرجل: «تقرب إلى الله ما استطعت، واعلم أنك لن تقترب إليه بشيء أحب إليه مِن كلامه».
 
القرآن شفاء لكل أمراض القلوب مِن الشبهات والشهوات
 
قال تعالى: " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا" (الإسراء: 82)، وقال تعالى: " قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ" (فصلت: 44).
 
دل النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إلى اللجوء إلى كتاب الله عند كثرة الفتن مِن الشبهات والشهوات فقال صلى الله عليه وسلم: «ستكون فتن يُصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض مِن أعراض الدنيا»، قالوا: ما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله». فما أحوجنا إلى القرآن!!
 
فنسأل الله تعالى أن يبارك لنا في القرآن الكريم، وأن يرزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، وأسأله تعالى أن يتقبل مني هذا الجهد في علوم القرآن، وأن يفتح له القلوب والأسماع، والله الموفق للخيرات، والهادي لأعلى الدرجات.
 
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.