د. أحمد فريد - عظمة القرآن - بوابة الفتح الالكترونية
د. أحمد فريد
2015-08-01 17:05:00

أثنى الله عز وجل على كتابه العزيز مما يدل على عظمته، بل وصفه الله عز وجل بـ«العظيم» في قوله تعالى:"وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ" (الحجر)؛ فالقرآن عظيم لعظمة مَن تكلم به، وهو الله عز وجل، كما وصف الله عز وجل نفسه بذلك فقال تعالى:"وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِـيّ العَظِيـمُ" (البقرة).
 
قال ابن القيم رحمه الله في نونيته:
 
وهو العظيم بكل معنى يوجب التـ ** ـعظيم لا يحصيه مِن إنسان
 
· والقرآن عظيم لعظمة مَن نزل به وهو أمين الوحي جبريل عليه السلام: قال تعالى: ?نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ" (الشعراء).
·        
وقال تعالى في وصف جبريل عليه السلام: "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ" (التكوير)، وقال تعالى: "عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى" (النجم).
 
· القرآن عظيم لعظمة مَن نزل عليه، وهو رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين، وإمام  الأنبياء والمرسلين؛ قال الله تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " (الأنبياء).
·        
قال الإمام الطحاوي: «وأن محمدًا عبده المصطفى، ورسوله المرتضى، وأنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء».
 
· القرآن عظيم لعظمة الأمة التي نزل إليها، وهى أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ" (آل عمران: 110).
·        
·   القرآن عظيم لعظمة الزمان الذى نزل فيه؛ قال تعالى: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ" (البقرة)، وقال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ *  لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ" (القدر).
·        
·   القرآن عظيم لعظمة المكان الذي نزل فيه: وهو مكة المكرمة أم القرى، وأحب أرض الله عز وجل إلى الله عز وجل، والمدينة المنورة التي دعا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد.
·        
·  القرآن عظيم لعظمة اللسان الذي نزل به، وهو اللسان العربي المبين: قال تعالى: "إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (الزخرف)، وقال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" (يوسف).
·        
· ولعظمة القرآن أخبر الله عز وجل أن الجبل مع قوته وصلابته لو نزل عليه القرآن وجعل له قلب يعقل؛ لرأيت الجبل خاشعًا متصدعًا مِن خشية الله؛ قال تعالى:"لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الحشر: 21)، والمقصود مِن إيراد هذه الآية: إبراز عظمة القرآن الكريم، والحث على تأمل مواعظه الجليلة؛ إذ لا عذر لأحد في ذلك، وأداء حق الله تعالى في تعظيم كتابه، وتوبيخ مَن لا يحترم هذا القرآن العظيم، وفيه كذلك تمثيل وتخييل لعلو شأن القرآن، وقوة تأثير ما فيه مِن المواعظ.
·        
·  ولعظمة تأثيره وسلطانه قال تعالى: "وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى" بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا" (الرعد: 31)، والمعنى: ولو أن قرآنًا سيرت به الجبال مِن مقارها وزعزعت عن مضاجعها أو قطعت به الأرض حتى تتصدع وتتزايل قطعًا، أو كُلِّم به الموتى فتسمع وتجيب، لكان هذا القرآن لكونه غاية في التذكير، ونهاية في الإنذار والتخويف.
·        
وقال أبو السعود: والمقصود بيان عظم شأن القرآن العظيم، وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره العلي، ولم يعدُّوه مِن قبيل الآيت، فاقترحوا غيره مما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام.
 
فالمعنى:"وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ"؛ أي: بإنزاله أو بتلاوته عليها، وزعزعت عن مقارها، كما فعل ذلك بالطور لموسى عليه السلام، "أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ" أي: شققت وجعلت أنهارًا وعيونًا، كما فعل بالحجر حين ضربه -عليه السلام- بعصاه، أو جعلت قطعًا متصدعة، أو "كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى" أي: بعدما أحييت بقراءته عليها كما أحييت لعيسى عليه السلام، لكان ذلك القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته.
 
ومِن مظاهر عظمة القرآن: أن الله تعالى تحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله أو بعشر سور مِن مثله، أو بسورة مثله؛ قال تعالى: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء)، وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود)، وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس).
 
فعظمة القرآن وعلو شأنه لا تجعل للخلق مِن إنس وجن مطمعًا في الإتيان بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
 
قال العلامة السعدي: فكما أنه ليس أحد مِن المخلوقين مماثلا لله في أوصافه، فكلامه مِن أوصافه التي لا يماثله فيها أحد؛ فليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله تبارك وتعالى، فتبًّا لمن اشتبه عليه كلام الخالق بكلام المخلوق، وزعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم افتراه على الله واختلقه مِن نفسه.
 
·   ولعظمة القرآن أقسم الله عز وجل بمواقع النجوم "وإنه لقسم لو تعلمون عظيم" على أنه كتاب كريم، فقال تعالى: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ *  لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" (الواقعة: 75-80).
·        
·    ولعظمة القرآن نوَّه الله عز وجل به في مفتتح بعض السور، كما قال تعالى: "ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" (البقرة). وقال تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا" (الكهف)، وقال تعالى: "اللَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ" (آل عمران).
·        
·  ومِن مظاهر عظمته: أن الله عز وجل نوَّه في خواتيم بعض السور بعظمته كما قال تعالى:"نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ" (ق)، وقال تعالى: "فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ" (المرسلات)، وقال تعالى: "بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ" (البروج).
·        
·       ولعظمة القرآن أقسم الله عز وجل به، وأقسم عليه: فأقسم به في قوله تعالى: ?يس * وَالْقُرْءَانِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ? (يس)، وقال تعالى: "ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ" (ص)، وقال تعالى: "‏ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ‏" (ق).
·        
وأقسم عليه في قوله تعالى: ?وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْع * إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ? (الطارق)، وقال تعالى: "فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" (الحاقة: 43).
 
·       ومِن مظاهر عظمته حفظ الله عز وجل له؛ قال تعالى: "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر)، ولحفظ الله إياه فقد بقي كما هو طودًا أشم، عزيزًا لا يقتحم حماه، وكل محاولة لتغيير حرف منه مقضي عليها بالفشل، فهو محفوظ في السطور وفي الصدور، يتناقله الحفاظ جيلًا بعد جيل، ولو أخطأ قارئ في حرف منه إذا بالصبيان يردون عليه، ولو طبع مصحف فيه تحريف، ولو في حرف واحد منه صاح الناس مِن كل جانب وصودرت كل الطبعة التي حرف فيها حرف واحد، وقد وكل الله عز وجل الكتب السابقة إلى مَن نزلت عليهم فقال تعالى: ?بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ" (المائدة: ??) فوكل حفظها إليهم فزادوا فيها ونقصوا وحرفوا وبدلوا، أما القرآن فقد تولى الله عز وجل حفظه، وقال: "نَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر: 9)،"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ" (فصلت).
·        
·       ومِن مظاهر عظمته: أن الله عز وجل يسَّر فهمه وتلاوته، حتى لايكون لهم على الله حجة إذا لم يحيطوا بمعانيه ويعملوا ما جاء فيه، ويدل على ذلك قوله تعالى:"وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" (القمر)، وقال تعالى: "فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا" (مريم).
·        
قال الدوسري حفظه الله: ولقد نوَّه الله تعالى بشأن القرآن العظيم، وأخبر أنه يسره وسهله؛ ليتذكر الخلق ما يحتاجونه مِن التذكير، ما هو هدى لهم، وإرشاد لمصالح الشرعية، وهذا التيسير ينبئ بعناية الله بالقرآن كما قال تعالى:"نَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ" (الحجر).
 
  وفي هذا التيسير تبصرة وحث للمسلمين ليزدادوا إقبالًا على مدارسته وتعريضًا بالمشركين عسى أن يرعووا عن صدودهم عنه، كما أنبأ عنه قوله تعالى: "فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ" (القمر).
 
·       ومن مظاهر عظمة القرآن: عالميته؛ قال تعالى: "تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا" (الفرقان)، وقال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء)، وقال تعالى: "وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَ?ذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (الزمر: ??).
·        
فعموم الخلق حصل لهم النفع بالقرآن، أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة، كما قال تعالى:"لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"(الأنبياء).
 
وأما أعداؤه المحاربون فالذين عجل قتلهم وموتهم خير لهم؛ لأن حياتهم زيادة لهم في تغليظ العذاب عليهم في الدار الآخرة، وأما المعاهدون فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده وذمته، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإيمان حقن دمائهم وأموالهم، وجريان أحكام المسلمين عليهم، وأما الأمم النائية عنهم، فإن الله سبحانه وتعالى رفع العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع بالقرآن، وبرسول القرآن، وهو النبي العدنان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.