د. خالد آل رحيم - الإسلام علم الإنسانية الحضارة - بوابة الفتح الالكترونية
د. خالد آل رحيم
2015-08-17 04:23:00

إذا كان هناك فضلٌ لأحد بعد الله تعالى في تعليم الإنسانية الحضارة، فهو الإسلام؛ هذا الدين العظيم الذي اختاره الله تعالى لنفسه فقال: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ"، واختاره لعباده فقال: "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَل َمِنْهُ"، والتاريخ البشري قبل الإسلام وبعده يؤكد هذه الحقيقة الثابتة التي لا جدال ولا فصال فيها؛ فهي واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار.
 
والحضارة معناها (Civilization) وهي الإقامة في الحضر بخلاف البداوة، كما ذكر ابن خلدون بقوله: «العمران البدوي والعمران الحضري, والبدو أقدم مِن الحضر، والبداوة هي أصل الحضارة، وإذا كانت البداوة أصل الحضارة؛ فإن الحضارة غاية البداوة، ونهاية العمران».


والخلاصة أن الحضارة هي نتاج الإنسان بخصائصه الفكرية والروحية والوجدانية والسلوكية تحقيقًا لأهداف أمته وما ارتضته هذه الأمة لنفسها مِن قيم ومبادئ, وقد توجد أمة متفوقة ماديًّا ومتقدمة علميًّا وصناعيًّا، ولكنها غير متحضرة إنسانيًّا وغير ناهضة روحيًّا وخلقيًّا، وهذا ما نراه في أوروبا وأمريكا (موسوعة الرد على الشبهات) والإسلام أول مَن علَّم الناس الحضارة، بل وأول مَن عنى بأصلها، وهو العلم، فكان أول ما نزل مِن القرآن خمس آيات تتحدث عن العلم فقال تعالى :? اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ?، وقال تعالى: "وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا"، وقرن -تعالى- الإيمان بالعلم فقال: ?يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ?، وقد ذُكرت لفظة العلم بمشتقاتها في القرآن الكريم أكثر مِن ستمائة مرة، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا؛ سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة». (رواه مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع». (رواه الترمذي)، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تتقلب في دياجير الظلام والتخلف والحروب والقتال والكراهية، وكانت تغرق في بحار مِن الأساطير والخرافات والجهالات, بل كانت الكنيسة تعدم كل مَن يأتي بحقيقة علمية تخالف الكنيسة؛ حيث حكم على الفيزيائي (جاليلي) بالإعدام حرقًا؛ لأنه قال: إن الأرض كروية الشكل، والأدهى في كل ذلك أن الكنيسة الإيطالية هي التي قضت بهذا الحكم في عام 1642م، وكان حينها العالم (جاليليو جاليلي) يبلغ مِن العمر 78 سنة، كان علماء الإسلام يتحدثون في حلقاتهم العلمية عن كروية الأرض ودورانها، وعن الأجرام السماوية وحركاتها، فكان ابن خلدون وهو مِن أبرز مَن كتب في التاريخ، وقد ترجمت مقدمته إلى عِدَّة لغات، ومنه كان يستمد العالم الفرنسي (أوجست كونت) كثيرًا مِن آرائه ونظرياته، وكذلك كان ابن حيان القرطبي -وهو مِن أكبر علماء التاريخ- يذكر الحادثة بتاريخها الهجري وما يقابله من الميلادي، بل ويحدد ساعة حدوثها، وهذا نادرًا ما تجده في كتب التاريخ، وكذلك الرازي وابن الأثير والطبري وابن الخطيب.


وبرز كذلك في علم الجغرافيا: الرازي وأبو عبيد البكري والإدريسي صاحب فكرة صنع مجسم للكرة الأرضية ما زال إلى الآن موجودًا في متاحف برلين, وابن بطوطة وابن جبير، وكذلك أحمد بن ماجد الجغرافي المسلم الذي دل فاسكو دي جاما على طريق الهند.


وكذلك في الفلك برع علماء الإسلام وترجمت كتبهم إلى عدة لغات، ويكفيهم شرفًا أن جداول (ألفونسو العاشر) الفلكية في القرن الثالث عشر الميلادي منقولات عن اللغة العربية التي سطروها، وقد كان لعلماء المسلمين المراصد الفلكية فى طليطلة وقرطبة وبغداد والقاهرة ودمشق وسمرقند وفارس.
وقد برعوا كذلك في الهندسة والعمارة في أوروبا وتحديدًا الأندلس التي مازلت شاهدة حتى اليوم. 
وفى الرياضيات وهو ما لا يعلمه الجميع أن علماء المسلمين هم مَن اخترعوا (الصفر) الذي حل مشاكل كثيرة في العمليات الحسابية، وكذالك اكتشفوا اللوغاريتمات على يد العالم ابن يونس، ومن أبرز العلماء في ذلك الحسن بن الهيثم وابن سينا والخوارزمي.
وفى الفيزياء برع ابن الهيثم حتى إنه ألف كتاب (المناظر) ويقع في سبعة مجلدات وهو يبحث في علم المناظر وفي تشريح العين ورسمها وأسماء أقسامها من الشبكية والقرنية والسائل الزجاجي.
وفى الكيمياء كان الرازي وابن جابر أول مَن وضعا أساس الكيمياء الحديثة، كما عرفا التقطير والتصعيد والتجميد والتحليل, وكذلك كان علماء المسلمين أول مَن اخترع ملح البارود كمادة متفجرة قابلة لإطلاق القذائف، وأخذت ذلك عنهم إنجلترا ثم باقي الدول الأوروبية.
وفي الصناعة كصناعة الورق والفخار والمعادن والجلود والكتاب، ولذلك لما أرسل هارون الرشيد الساعة الدقاقة الكبيرة إلى شارلمان تعجب منها أهل ديوانه ولم يعرفوا كيفية تركيب آلاتها، وسبق علماء الإسلام في اختراع الطيران، وقد حاول حكيم الأندلس عباس بن فرناس الطيران، وهو أول مَن استنبط صناعة الزجاج مِن الأحجار.
وفي الزراعة وقد حملوا معهم الزيتون والبرتقال والكروم والأرز وقصب السكر والقطن إلى الأندلس، والتي مازلت تشتهر بهما حتى الآن، بل وألفت الكتب في ذلك، ويعتبر كتاب (الفلاحة) لابن العوام مِن أهم المؤلفات في هذا الموضوع في القرون الوسطى، فقد شرح فيه أنواع النباتات وطرق زراعتها والتطعيم وخصال التربة والسماد ووصف أمراض النبات.
 
وفى الطب أبدع المسلمون؛ فقد قام الزهراوي (ت 404 هجري) بتأليف موسوعته الطبية (التصريف لمن عجز عن التأليف) الذي تُرجم بعضه إلى اللاتينية في القرن العاشر الهجري، ووضع الطبيب الأندلسي ابن الخطيب كتابه (حقيقة السائل عن المرض الهائل) ليرشد أهل أوروبا إلى علاج مرض الطاعون الذي انتشر هناك في القرن الرابع عشر الميلادي، وألَّف أبو بكر الرازي كتبًا عظيمة في الطب، منها: الحاوي ورسالة الجدري والحصبة وطب الفقراء، وقد ترجمت إلى اللغات الأوروبية، وكان بعضها يدرس في جامعاتها. 
وكذلك في الصيدلة كان مِن أبرز علماء الإسلام في ذلك ابن البيطار المتوفى عام 646 هجري، ومن أشهر كتبه
المغني في الأدوية المفردة والجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ولا يزال ابن البيطار يعرف في أوروبا بلقب (أبو علم النبات) وهذا غيض مِن فيض.


وأكبر دليل على أن الإسلام هو مَن علَّم الناس الحضارة هو التقدم الهائل للأندلس عندما حكمها المسلمون، وهكذا يرى كل مُنصِف أن الإنسانية كلها وأوروبا بصفة خاصة عاشت فترة مِن الزمن عالة على علم وعلماء الإسلام، ولو لم يظهر الإسلام والمسلمون لتأخرت نهضة أوروبا وحضارتها الحديثة عشرات القرون كما قالت الدكتورة (سيجريد هونكة) في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب).
إذًا لا يشك أحد على وجه الأرض وبالأدلة القاطعة أن الإسلام هو مَن علم الإنسانية الحضارة.