الفتح | خيرالله في حواره مع "الفتح" : لن تنهض الأمة إلا بصناعة مجتمعات قوية

خيرالله في حواره مع "الفتح" : لن تنهض الأمة إلا بصناعة مجتمعات قوية

كتــبه : الفتح

د.أحمد خليل خير الله

يتابع العالم اليوم العمل التطوعي والمؤسسات الخيرية بشغف واهتمام على الأصعدة كافة، وما "هشتاج ق3" عنا ببعيد؛ فالمتتبع للأخبار حوله يجد أعمالًا كثيرة تؤدى يوميًّا على مدار الساعة تُبنى بها الأمم .. من هذا المنطلق حاورنا الدكتور أحمد خليل خير الله، مساعد رئيس حزب النور للشئون الثقافية، وإلى نص الحوار:


· بداية قبل الخوض في موضوعنا عن المؤسسات الخيرية، ما إشكالات كتب التنمية البشرية التي تأتينا من الخارج، وتضع لنا حلولًا سحرية لمشكلاتنا؟


للأسف صيحة التنمية البشرية وعبارة أكثر الكتب مبيعًا، للأسف غالبًا ما تكون أكثر الكتب مبيعًا وليس قراءة، ففكرة أن نأتي بكتب مترجمة ونحاول تطبيقها مباشرة، خاصة على المنظمات الخيرية العربية فهذا يُعَد إشكالية كبيرة جدًّا، وأرى أن هناك 3 إشكاليات في هذه الكتب:


الأولى: أنها تخرج من بيئة مادية بحتة ليست لها أية علاقة بالجانب العربي في التفكير ولا بالجانب الإسلامي في العلاقة بالرب جل وعلا.


الثانية: أن القارئ يقع تحت رحمة المترجم، فإذا كان المترجم ليبراليًّا فيترجم بلمسة ليبرالية، وإذا كان يساريًّا فيترجم بلمسة يسارية، فيؤثر المترجم بفكره على الفكرة الأساسية للمؤلف تأثيرًا كاملًا.


الثالثة: أنها لا تفرق بين المنظمة الربحية وغير الربحية، فجاك ويلش مثلًا كان يفصل كل سنة نحو ??% من الموظفين، فأطلق عليه أقسى المديرين الأمريكيين، ففصل نحو ??? ألف موظف في حقبته الإدارية، وهذه العقلية تمثل خطورة في إدارة المنظمات غير الربحية، فالدكتور ياسر برهامي -حفظه الله- كان يضع لنا قاعدة في إدارة المنظمات غير الربحية فكان يقول: "نحن نحتاج قليلًا من الإدارة كثيرًا من الحب"، فمثل هذه القواعد نحتاج إلى أن يكون لكل واحد منا تجربته الخاصة داخل المنظمة غير الربحية، فالعمل غير الربحي عمل ميداني أكثر منه نظري مبني على العلاقات الإنسانية، فإذا أردنا أن نضع فوارق بين العمل التطوعي والعمل الربحي، فأول فارق هو الكتب التي تقرؤها والتي تشكل عقلية المدير، والثاني أن مهمة المنظمات غير الربحية مرتبطة بالمتطوعين، أما المنظمات الربحية فهي مرتبطة بالمهام وليس بالأشخاص.


· هل تختلف مفاهيم الإدارة في العمل التطوعي عنها في العمل الربحي؟


أولًا: المفاهيم تكاد تكون واحدة، لكن المشكلة تكمن في الجانب الإلزامي في العمل التطوعي، فأنت تقنع الناس بالفكرة، ثم تأتي المهمة، والإقناع يأتي بعده العمل، لكن في العمل الربحي فالمهمة تأتي أولًا حتى لو لم يقتنع الناس بالفكرة.


ثانيًا: الأعمال غير الربحية تبدأ بالأشخاص أولًا ثم تتكون الفكرة، لكن في الأعمال التطوعية تأتي الفكرة ثم يتبعها المتطوعون.


ثالثًا: في العمل التطوعي للأسف يحدث اشتباك بين مفاهيم الدعوة إلى الله ومفاهيم إنجاز المهمة، أما في العمل الربحي فتكون مفاهيم إنجاز المهمة واضحة، وتحتل المركز الأول في سلم أولويات المنظمة، فهناك فرق دقيق يفصل بين المدير الذي هدفه فقط إنجاز العمل، وبين المدير الذي يسعى إلى إنجاز العمل مع الحفاظ على قلوب العاملين أو المتطوعين؛ لذلك قال "بيتر دراكر" عن المنظمات غير الربحية: "لا تقبل أبدًا ولا تسمح بالفظاظة"، فبداية هلاك المنظمات غير الربحية أن تكون هناك فظاظة داخل المنظمة؛ لذلك قال الله تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: ?وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ? (آل عمران: 159)؛ وذلك لأن العمل مبني على التطوع لا الإلزام.


· هل يمكن أن يصل العاملون في العمل التطوعي للمستوى الاحترافي في الإدارة؟ وما مدى تأثير التدريب في إنجاح العمل؟


أركان نجاح أي عمل هي: (النية، والرؤية، والموارد المادية، والمحترفون، والمتخصصون).


- المنظمات غير الربحية تعتمد إما على استقطاب الكفاءات أو صناعة الكفاءات، فاستقطاب الكفاءات يتم من خلال استقطاب أشخاص متخصصين لتدريب المتطوعين والوصول بهم لمستوى الكفاءاتية، وهذه هي أفضل وسيلة في البدايات، أما صناعة الكفاءات لابد أن يكون هناك جدول تدريبي لتنمية المتطوعين، فوقف التعلم والتدريب يعني حتمًا وقف التطور.


- هناك فكرة إدارية تسمى "المنظمة التعليمية"، وهي أن يكون هناك جدول تعليمي عالٍ محدد للمنظمة، فحين تعلم أن سنغافورة بنت نهضتها على التعلم والتدريب وأن هناك مشروعًا قوميًّا لتدريب ??? ألف موظف، وأن شركة الطيران السنغافورية التي تعد أكثر ما يميز سنغافورة حاليًا مبنية على التدريب؛ فالتدريب الآن لم يصبح مجرد رفاهية بل هو ركن ركين في عملية التطور والنهوض.


وأرى أن العمل على صناعة الكفاءات أفضل على المدى البعيد من استقطابها؛ لأن النجم لديه مشكلتان؛ الأولى: وقته لا يتحمل، والثانية: أنه قد تختلف أهدافه مع أهداف المنظمة، فصناعة الكفاءات تبقى وتدوم، ولا يقتصر التدريب على المتطوعين فقط، بل على المنظمة بأكملها؛ فتصبح منظمة قائمة على التدريب والتطور؛ مما يؤدي إلى تطور أهداف المنظمة بالتبعية.


· ما أهم العوامل المؤثرة في كفاءة وأداء المتطوعين؟


1- وجود قدوة حقيقية، فأكبر المشكلات التي تواجه المنظمات غير الربحية هي عدم وجود قدوات، وإن وجدت القدوة فتكون من الدرجة الثانية أو الثالثة.
2- وضوح القيم المشتركة بين العاملين، فمن الضروري وجود حد أدني من القيم المشتركة بين العاملين؛ لأن القيم المشتركة ستؤدي إلى رؤية مشتركة.
3- إحداث نجاحات تقاس، فمن أكبر مشكلات العمل التطوعي أننا نظل محصورين في دائرة المشاعر والأحاسيس ولا ننتقل إلى دائرة المعايير والمقاييس، فمن المهم أن نصل بالعمل التطوعي لمستوى نستطيع قياسه وفقًا لمعايير محددة.


· ما أهم العقبات التي تواجه إدارة المنظمات التطوعية؟


1- عدم القدرة على الفصل بين إنجاز العمل وتأليف قلوب المتطوعين.


2- ارتباط المنظمة غير الربحية بشخص، فبمجرد غياب هذا الشخص أو فتور همته تسقط المنظمة.


3- ثقافة العمل غير الربحي ثقافة تبنى من الصغر، وللأسف نحن نبني هذه الثقافة في أواخر العمر مع إغفال المراحل العمرية المتقدمة.


4- أننا نعطي إدارة المنظمات التطوعية لقيادات الدرجة الثانية أو الثالثة، كما نعطي العمل التطوعي فتات الوقت.


· كيف يمكن محاسبة المتطوعين في الأعمال الخيرية؟


1- أفضل طريقة أن تجعلهم مشاركين في وضع الرؤية.


2- أن تجعلهم يضعون طريقة لمحاسبتهم.


3- أن يوجد جانب رقابي داخل المنظمات غير الربحية لمحاسبة المتطوعين ومراقبة أدائهم (الجمعيات العمومية بوصفها مثالًا).


4- اختيار القوي الأمين، وحسن اختيار المتطوعين الذين لديهم مسئولية داخلية تجاه العمل التطوعي، فسيدنا موسى عليه السلام عندما ترك بني إسرائيل في رحلة مدين لم يستطِع العيش بدون عمل خدمي يقدمه للمجتمع ?وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى? يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ? (القصص: 23)، فصنع لنفسه عملًا تطوعيًّا ساعد به المجتمع دون أن يراه أحد أو يوجهه أحد، فالمسئولية الداخلية هي أكبر مقياس لاختيار المتطوعين.


· ما أهم الصفات المطلوب تحققها في العاملين بالمجال الخيري خاصة التطوعي؟


الاقتناع بالرؤية، والقدرة على إقامة علاقات، وإجادة مهارات التواصل، والقدرة على تفريغ وإيجاد وقت كافٍ للعمل، وحد أدنى من الثبات الانفعالي لمواجهة الأزمات المستمرة، والصدق والتجرد.


· ما تقييمك للمستوى الإداري للمنظمات العاملة في الجانب الخيري في العالم الإسلامي؟


أعتقد أن جانب المنظمات الخيرية في مصر بدأ في تطور هائل في السنوات الثلاث الأخيرة، وهذا ما نريد الوصول إليه، أن نمتلك مؤسسات تصنع الاحترافية داخل المؤسسات غير الربحية، وبدأت تظهر ثمارهما الاحترافية، كذلك كل من "بنك الطعام" و"الشفاء" و"الكساء"، واهتمام مواقع التواصل الاجتماعي بالأعمال التطوعية أصبح مؤشرًا جيدًا؛ فحين تبحث على تويتر عن "هشتاج ق3" يظهر لك مدى اهتمام العالم بالعمل التطوعي، ولكن الآن فكرة مؤسسات المجتمع المدني هي آلة من آلات الغزو الفكري داخل المجتمع، وإن لم تنتبه المنظمات غير الربحية إلى ضرورة الاهتمام بقضايا العالم الإسلامي وقضايا الأمة والوطن ككل فسيهتم بها مؤسسات هدفها مخالف تمامًا لأهداف الأمة، وأعتقد أن المنظمات غير الربحية بدأت تنتبه لذلك، ونرى أن الاحترافية هي الطريق لنجاح عمل المنظمات غير الربحية من خلال التعليم والتدريب وبناء كوادر احترافية.


· ما أهم الجوانب الإدارية التي ينبغي الاهتمام بها بالنسبة للعاملين في المجال التطوعي؟


في البداية أنصح بقراءة كتاب "بيتر دراكر" عن المنظمات غير الربحية، من إصدار مركز بناء الطاقات في المدينة المنورة، وملخصه في 5 جوانب:
1- المهمة قبل القائد، فإذا لم يقتنع القائد برؤية المنظمة يصعب عليه الاستمرار فيها.


2- تحويل المهمة إلى أداء، فلابد أن تكون المهمة واضحة في أذهان الجميع، وأفضل طريقة للوضوح هي تحويلها إلى أداء عملي.


3- إدارة الأداء داخل المنظمة، ويتم ذلك من خلال الانتقال من دائرة المشاعر والأحاسيس إلى دائرة المعايير والمقاييس.


4- التواصل الاجتماعي وإقامة علاقات؛ فالقائد الذي لا يجيد النواحي المجتمعية مع الناس حتمًا سيفشل في إدارة المنظمة غير الربحية، فيجب أن يكون من ??: ??% من وقت المدير موجهًا نحو بناء علاقات جيدة مع الناس لإمكان إقناعهم برؤية المنظمة.


5- تنمية الذات؛ فالخطوة الأولى لإدارة المنظمات غير الربحية هي التدريب والتطور المستمر.


· هل يمكن أن يقوم العمل الخيري على المتطوعين فقط؟ وهل لهذا جوانب سلبية؟


إقامة العمل الخيري على المتطوعين فقط دون وجود موظفين يتقاضون أجرًا لها سلبيات كثيرة، فلابد أن يكون داخل المنظمة الخيرية جانب عمل بأجر كتجربة "بنك الطعام" ؛ فكل هذه التجارب الناجحة تحتوي على جانب عمل بأجر وجانب عمل تطوعي، فأرى أن يكون داخل كل منظمة غير ربحية ??? عمل بأجر و??? عمل تطوعي، وفي حالة أن تقوم المنظمة بأكملها على جانب العمل التطوعي فهوى الأشخاص هو الذي يقود المنظمة.


· هل تعاني المكتبة العربية والإسلامية نقصًا في الأدبيات والمؤلفات الإدارية التي تخدم العمل الخيري؟


نعم يوجد نقص شديد، لكن الأهم أننا ينقصنا العقول التي تحول تلك الكتب الإدارية إلى واقع عملي ملموس داخل المنظمات، فعلى سبيل المثال كتاب "من جيد إلى عظيم" لـ"جيم كولنز" غاية في الأهمية، لكن مع الأخذ في الاعتبار إظهار الفروق بين العمل في المنظمات غير الربحية والعمل في المنظمات الربحية.


· بما أن لك خبرة في المجال التعليمي ولك تجربة كبيرة، ما رأيك في تدريس مادة العمل التطوعي داخل المدارس والجامعات بوصفها مادة أساسية، ومدى تأثير ذلك على انتشار ثقافة العمل التطوعي في المجتمع؟


نهضة الأمة لن تعود إلا بصناعة مجتمعات قوية، وهذه فكرة المجتمع الإسلامي أن تجد أبطالًا يحملون المجتمع مهما حدث له من انتكاسات، وعلى مر التاريخ تجد أن المجتمع هو الذي يحمل الدولة وليس العكس، وهذا لا يحدث إلا من خلال إثراء ثقافة العمل التطوعي الذي يعد دينًا لدى المسلمين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهرًا"، فلابد أن يكون العمل التطوعي مادة أساسية تدرس في المدارس والجامعات، ليس فقط بل لابد أن يكون لها جانب عملي من خلال ممارسة تجربة عملية تطوعية حقيقية لغرس فسيلة العمل التطوعي داخل المجتمع، وأن توجد أعمال تطوعية مختلفة تناسب المراحل العمرية؛ مما يؤدي إلى بث ثقافة العمل التطوعي في المجتمع وإحيائها؛ مما يؤدي إلى نهضة الأمة من جديد.


· إذا أردت توجيه رسالة للمشاركين والعاملين حاليًا في مجال العمل التطوعي ولمن لم يشارك.. فماذا تقول؟


بالنسبة للمشاركين حاليًا في العمل التطوعي أقول لهم: أنتم في نعمة وفي أمنية الآخر، فنملة شاركت في إنقاذ قومها، وتطوعت بنصيحة فذكرها الله في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، فكيف بمن يتطوع بوقت يومي لإنقاذ أمته؟! فالعمل التطوعي ليس جسرًا للفردوس الأعلى فقط، بل هو جسر لعودة الأمة من جديد، فجزاكم الله خيرًا على ما قدمتم، وننتظر منكم المزيد.


أما بالنسبة لمن لم يشارك بعد في الأعمال التطوعية، فأسرد تقرير منظمة "جلوب" عن أكبر الأزمات التي تمر بالإنسان وتترك آثارًا سلبية في نفسه، فوجدوا أن أكبر أزمة تترك أثرًا سلبيًّا في الإنسان نفسه هي أزمة البطالة، فلابد ألا يترك الشباب نفسه ليقع تحت وطأة البطالة؛ لما لها من أثر سلبي كبير على النفس البشرية، بل عليه أن يشترك في أعمال تطوعية حتي يخرج بنفسه من تلك الوطأة، ولا يعاني من كارثة البطالة.


· نحتاج منك وضع روشتة لإدارة العمل التطوعي .. فبِمَ تنصح؟


التعلم والتدريب المستمر، وصناعة النموذج والتجربة الشخصية وكتابتها ونقلها للغير، وصناعة عمل جماعي وليس عملًا فرديًّا مع بناء علاقات اجتماعية، "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" (آل عمران: 159) هي العمدة في إدارة المنظمات التطوعية، ففي غزوة أحد ووسط هزيمة المسلمين وما حدث من تقصير ورغم كل ذلك قال الله تعالى هذه الآية مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذه الآية تشمل 4 عناصر لإدارة العمل التطوعي وهي:


فاعف عنهم (التسامح وعدم الفظاظة)، واستغفر لهم (الدعاء لمن حولك)، وشاورهم في الأمر ( فالشورى هي الأب الروحي لكل مهارات العمل التطوعي)، والتوكل (هو أساس قيادي مهم).