الفتح | العيب فينا!

العيب فينا!

كتــبه : نجلاء جبروني

ارشيفية

عادتْ من عَمَلِهَا إلى المنزل مُتْعَبَة لتواجهها أعباء ومسئوليات جديدة، وكأنَّ يومًا ثانيًا من العمل قد بدأ، فاليوم سيحضر أقاربُ زوجِها على الغداء، البيتُ تَعُمُّهُ الفَوْضَى، صياحُ الأولاد يَمْلأ الأرجاء، وفجأة انقطعت الكهرباء، لن تستطيع إنهاء أعمال المنزل بسرعة، لم تستطع أنْ تَكْبَحَ جِمَاحَ نفسِها، ينطلق لسانُها: (يوم أسود، ساعة نحس)، وهكذا يفعل كثير من الناس في هذا الزمان، إذا حصل له شيء، لا يَسُرُّه إلا سَبَّ الزمان، ولعن اليوم أوالسنة، كما كانت تفعل العرب في الجاهلية، فكان من شأنهم ذمُّ الدَّهْرِ وسَبِّه عند الحوادث والنوازل، فيقولون: "بؤسًا للدهر، تبًا للدهر"، ومثله: (زمن غدار، يوم زفت، سنة سوداء..إلخ) وغير ذلك من ألفاظ السب، تجري على لسان أحدهم لا يُلقِي لها بالًا، وهو لا يعلم أنه بذلك يؤذي الله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: "يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ"، أي أنا مدبر الأمور التي ينسبونها إلى الدهر، فقد كانوا يسندون تلك الحوادث إلى الدهر، ويَسُبُّونَه على أنَّه الفاعل، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "لا تَسُبُّوا الدَّهْر فَإِنَّ اللَّه هُوَ الدَّهْر".
والدَّهْر هو الزمان: كاليوم والليلة والأسبوع والشهر والسنة، وسَبُّه يكون بِلَعْنِهِ وشَتْمِه وبإضافة فعل المكروه إليه، فيقول:أبادهم الدهر، جار عليهم الزمان، مزقتهم الأيام، فإذا سب الدهر وقع السبُّ على الله -تعالى- لأنه هو الفاعل على الحقيقة، فاعل الحوادث والنوازل وخالق الكائنات ومُصَرِّف الأمور، أما الزمان فلا يفعل شيئًا وإنما هو مفعولٌ فيه، مخلوقٌ من جملة المخلوقات مُسَخَّرٌ لا تدبيرَ له ولا تصريف، فالدهر لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع ولا يحيي ولا يميت ولا يقدِّر الأمور، وإنما الذي يفعل ذلك كله هو الله المتفرد بالملك والملكوت


ولهذا كان سب الدهرسبٌ لمن تصرف فيه وهو الله -عزوجل- ولذا فهو مُحَرَّمٌ وفيه إيذاءٌ لله -عزوجل-، وإيذاؤه -تعالى- هو فعل ما لا يرضاه وأن يُقال في حَقِّه ما يكرهه ويُنسب إليه ما لا يليق بجلاله.
لكن هذا الإيذاء لا يَضُرُّه سبحانه وفي الحديث القدسي "يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي"، وإنما ضرره يعود على العبد نفسه فيُنقص تَوْحِيدَه ويُعَرِّضه لغضب الله وسخطه.