الفتح | بين الانقلاب العسكري .. والفكري والأخلاقي .. وطرفي الصراع

بين الانقلاب العسكري .. والفكري والأخلاقي .. وطرفي الصراع

كتــبه : علي منصور

جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير لتوحد جموع المصريين على مطالبَ واحدةٍ بشكلٍ لم يسبق له مثيلٌ منذ عقودٍ عدةٍ، وارتسمت بسمة الأمل على وجوه المصريين ناظرةً إلى الغد المشرق، ولكن لم تلبث تلك البسمة طويلا حتى ذبُلت فماتت على إثر الانقسامات التي حدثت في تلك الجموع بعد أن أخذ كلُ فريقٍ ينظر إلى نفسه ناسيا شريكه في تلك الثورة، وكان لمن استلموا السلطة الحظ الأكبر في هذا النسيان وكأن ثورةً لم تقم.

وتوالت الأحداث حتى وصلنا إلى نقطة الانقسام الأكبر يوم الثلاثين من يونيو، وظهر على سطح الساحة السياسية فريقان متصارعان؛ فشكلا طرفا الصراع منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا، ففريقٌ يحاول إثبات أن ما حدث في مصر بعزل الدكتور محمد مرسي "انقلاب عسكري"، وفريقٌ ثانٍ يحاول على الجانب الآخر إثبات أن ما حدث كان "ثورةً شعبيةً"، وفي خِضَمِّ هذا الصراع الدائر وقع الانقلاب الحقيقي والأخطر من كلا الفريقين وقد تمثل في انقلابٍ فكريٍ وأخلاقيٍ فظيعٍ تتزايد حدته ويتزايد خطره يوما بعد يومٍ.

ففي الفريق الأول والذي يمثل قوامه الإسلاميون والمتعاطفون معهم وقع هذا الانقلاب وكان له صورٌ عديدةٌ استرعت انتباه كل متابعٍ حريصٍ على نقاء المشروع الإسلامي من الشوائب، ومن تلك الصور على سبيل المثال لا الحصر:

1- ضياع الأصل "الدعوة"، فلم تعد جموعٌ غفيرةٌ من هذا الفريق تقتنع بجدواها، وصار رصيد الدعوة "شعب مصر" عندهم فسقة وأغبياء وجهلة، ليس من العقل دعوتهم وإضاعة الوقت معهم! وصارت وسيلة "التظاهر" هدف وأصل! وليتها تقود إلى مصلحة!

2- ضياع "مكارم الأخلاق" عند قطاعٍ كبيرٍ من هذا الفريق، فبعد أن كانت سببا في فتح بلاد الشرق البعيد، لم نستطع فتح "لا أقول: بلاد الشرق القريب، بل: قلوب أهلنا" فكانت النُّفرة لما يجدون من تلك الأخلاق! حيث أصبحت الحماسة والعاطفة بديلا عن تتبع الدليل الشرعي، والكذب بديلا عن الصدق، والتدليس بديلا عن التثبت، وتلفيق الاتهامات بديلا عن حسن الظن، والمزايدة بديلا عن الإنصاف، وسب وتفسيق كل مخالفٍ بديلا عن أدب الحوار واللين! ونشر صور المتبرجات بديلا عن غض البصر!

3- ضياع "القضايا والقواعد والمفاهيم الشرعية: " كـ "فقه الجهاد"، و"الحاكم المتغلب"، و"حرمة الدماء"، و"لحوم العلماء مسمومة"، و"القدرة والعجز"، و"المصلحة والمفسدة"، و"خطر التكفير". فبعد أن كان قطاعٌ كبيرٌ من هؤلاء يحفظ تلك القواعد ويراعيها ويعلمها للأجيال التي تليه، أصبحت عندهم نوادر وطرائف يضحكون على من يحدثهم عنها أو يحاول تذكيرهم بها.

4- ضياع "آداب المرأة المسلمة الملتزمة"؛ فبعد أن كنا نفخر بالملتزمات لشدة حيائهن، وعدم مخالطتهن الرجال، وعدم خضوعهن بالقول، أصبح الفخر بكثرة خروجهن في المظاهرات، ومزاحمتهن الرجال، وتصدرهن المسيرات، وتفنَّن في وسائل التظاهر؛ فأصبحت الفتاة تصعد على كتف أخواتها لتهتف بأعلى صوتها، ويرتقين الأسوار ليكتبن على الجدران "يسقط حكم العسكر"، ويمسكن الطبول وتعلو الأصوات بالهتاف، ويفخر الرجال بذلك قائلين: امرأة بمائة رجل! ويا حسرة على الرجال والرجولة!

وفي الفريق الثاني والذي يمثل قوامه أغلب الشعب المصري المسلم المحب لدينه الكاره لسياسة بعض الإسلاميين، والعلمانيون المعادون للشريعة وقع هذا الانقلاب وكان له صورٌ عديدةٌ استرعت انتباه كل متابعٍ منصفٍ لا تتجزأ عنده المبادئ، ومن تلك الصور على سبيل المثال لا الحصر:

1- الكفر بالله تأييدا للنظرة السياسية التي يراها، كمن كتبت على صفحتها الشخصية على الفيسبوك تحريفا لسورة الفاتحة لتحول الثناء على الله وحمده ثناءً وحمدا للسيسي، وكمن كتب في أحد الصحف القومية شعرا كفريا واصفا السيسي بالواحد القهار المتحكم في الأقدار!

2- عدم مراعاة حرمة الدماء والاستهانة بالقتل والرضا بما يراق من دماء شباب مصر في ربوع البلاد شرقا وغربا، وتأييد ذلك القتل وطلب المزيد منه، وأصبح السائد عند الكثيرين منهم مادام القتيل خَصمي فليذهب إلى الجحيم!

3- إقصاء المخالف بل والقضاء عليه تماما، وبعد أن كان هؤلاء يعيبون على الإخوان إقصائهم المخالف صاروا مثلهم بعدما جلسوا على كراسيهم، لتظل الدائرة تدور جلست على الكرسي فأُقصى مخالفي عُزلت فيُقصيني مخالفي!

4- ضياع الإنصاف؛ فكره فصيل ما أصبح يعنى رد كل ما يقوله حتى ولو كان حقا، بل تحول كره هذا الفصيل عند البعض من هذا الفريق إلى كره بعض شعائر الإسلام والانتقاص منها والتندر عليها!

ورغم كل هذه الآفات التي توشك أن تعصف بالبلاد وبالجميع نسيها هؤلاء وهؤلاء في خِضَمِّ هذا الصراع الدائر حول توصيف المصطلح ولم ينتبهوا إلى هذا الإنقلاب الحقيقي والخطير "الإنقلاب الفكري والأخلاقي" والذي رصدت بعض صوره في هذه المقالة، لا لأكون نقطة من نقاط تلك الدائرة المفرغة، بل لألقي الضوء على هذا الخطر، فلعل أحدا يستفيق، وما أعرفه مما سينالني من سب وقذف جراء ما سطرت يداي لن يدفعني إلى عدم إسداء النصح إلى إخواني وشركاء وطني.