الفتح | الزائر الأخير

الزائر الأخير

كتــبه : فاطمة أغا

صورة أرشيفية


يا ترى كم يوم يفصلنا عن تلك اللحظة؟ بل كم ثانية وكم نفس؟ سيأتي إليك بدون محالة ليأخذك من بيتك، قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا»، والله إنه يكفي لمن كان له قلب، كيف حالنا عندما ينفض الناسُ من حولنا؟ كم يسعى الإنسان ويجهد في هذه الحياة الدنيا، ها هو الموت يومًا بعد يوم يتخطف الناس من حولنا بأمر الله.

في لحظة من اللحظات يعيش الإنسان منّا نشوة الأموال، وكثرة الأولاد، واستقرار الصحة والجسد، وفي تلك اللحظة التي يبصر بها من حوله، ويسمع من يحدثه، ويحدث من يسمعه، ويحرك فيها جسده، لا مرضًا يشكو، ولا علة يعالج، ولا طبيبًا يزور، لحظة رهيبة، ومفاجأة غريبة، فيها يتوقف كل شيء، ماذا حصل للعقل المدبر؟، وماذا وقع لصاحب الأموال والمنصب والجاه؟، أين هي نضرة هذا الجسم المترف؟

عجبًا أرى: عينان كانتا جميلتين بالبصر، مالهما قد زاغتا لا لفت أو نظر، لقد ارتخى اللسان، وخفت الصوت الصارخ، فلا حسّ أو خبر، ومن أصدق من الله حديثًا: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.

يا لها من مفاجأة يباغت فيها الإنسان، فيؤخذ على غرة، تعددت أسبابها، وتلونت أشكالها، واختلفت أعمارها، كل له أجله المكتوب، على مَنْ؟، عليّ أنا وأنت وكل مولود كبير أو صغير. 

عجبًا لنا كيف نتجرأ على الله فنرتكب معاصيه، أما سأل أحدنا نفسه: لماذا لا يستطيع أحد أن يعلم متى سيموت؟؛ إنها حكمة بالغة، ليبقى المؤمن طوال حياته مترقبًا وداع الدنيا، مستعدًا للقاء ربه.

ونغفل كأن بيننا وبين الموت ميعادًا مؤجلًا، كم قريب دفنّا، وكم حبيب ودّعنا؟، ألا نعوّد أنفسنا على توديع هذه الدنيا كل يوم!

فنحاسب أنفسنا قبل أن يحاسبها الله، على أن نعزم على مضاعفة الأعمال الصالحة من صلاة واستغفار وذكر وبر وصلة، أَلَا نفكر بجدية مقرونة بعمل أن نقلع من معاصينا، ونتوب من تقصيرنا في حق الله -تعالى-؟ 

أما علمنا أن لذكر وتذكر الموت أمورًا مهمة لنا في حياتنا؛ لأن ذكر الموت يعين -بعد الله تعالى- على فعل الطاعات والاستزادة من المعروف والخير، ويزهد في الدنيا وزهرتها، ويكشف لك غرورها وزوال متعها، ويهون عليك فوات نعيمها؛ لتفكر في نعيم الآخرة.