عاجل

ذو هيبة وفراسة عالم مجتهد مجاهد زاهد.. قراءة في حياة الإمام ابن تيمية

  • 219
الفتح - ابن تيمية رحمه الله

عالم من العلماء العاملين، والأئمة الربانيين شيخ الإسلام والمسلمين، إمام زمانه، والمقتدى به في أوانه، الذي نفض الغبار عن منهج أهل السنة والجماعة، وجدد الله -عز وجل- به شباب الإسلام، بعد أن أنهكه داء الشرك والوثنية، والبدع الردية، أنار الله -عز وجل- به منار السنة وأطفأ نار البدعة. الإمام الذي بذل نفائس أنفاسه، وأوقات حياته ينصر الحق وأهله، ويدفع الباطل ويكشف زيفه، الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، وناهيك به شرفًا وعلمًا وفضلًا.


اسمه ولقبه

هو تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله ابن تيمية الحرّاني، وُلِد بحرَّان سنةَ 661هـ، ولما بلغ من العمر سبع سنوات انتقل مع والده إلى دمشق؛ هربًا من وجه الغزاة التتار.

وذكر مترجموه أقوالًا في سبب تلقيب العائلة بآل (تيمية) منها ما نقله ابن عبد الهادي رحمه الله: أن جده محمدًا كانت أمه تسمى (تيمية)، وكانت واعظة، فنسب إليها، وعرف بها.

وقيل: إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت بنتًا له فقال "يا تيمية، يا تيمية" فلقب بذلك.


نشأة ابن تيمية

نشأ في بيت علم وفقه ودين، فأبوه وأجداده وإخوته وكثير من أعمامه كانوا من العلماء المشاهير؛ منهم جده الأعلى (الرابع) محمد بن الخضر، ومنهم عبد الحليم بن محمد ابن تيمية، وعبد الغني بن محمد ابن تيمية، وجده الأدنى عبد السلام بن عبد الله ابن تيمية مجد الدين أبو البركات، وأبوه عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، وأخوه عبد الرحمن وغيرهم.

طلب العلم على أيدي العلماء منذ صغره، فنبغ ووصل إلى مصاف العلماء من حيث التأهل للتدريس والفتوى قبل أن يتم العشرين من عمره.

ومما ذكره ابن عبد الهادي رحمه الله عنه في صغره أنه: سمع مسند الإمام أحمد بن حنبل مرات، وسمع الكتب الستة الكبار والأجزاء، ومن مسموعاته معجم الطبراني الكبير.

وعُني بالحديث وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب في المكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهم في النحو، وأقبل على التفسير إقبالًا كليًا، حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك.

هذا كله وهو بعدُ ابن بضع عشرة سنة، فانبهر أهل دمشق من فَرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه.


صفاته "طيب الله ثراه"

كان رحمه الله حسَنَ الاستنباط، قويَّ الحجة، سريعَ البديهة، قال عنه البزار رحمه الله: وأما ما وهبه الله تعالى ومنحه من استنباط المعاني من الألفاظ النبوية والأخبار المروية، وإبراز الدلائل منها على المسائل، وتبيين مفهوم اللفظ ومنطوقه، وإيضاح المخصص للعام، والمقيد للمطلق، والناسخ للمنسوخ، وتبيين ضوابطها، ولوازمها وملزوماتها، وما يترتب عليها، وما يحتاج فيه إليها، حتى إذا ذكر آية أو حديثًا، وبين معانيه، وما أريد فيه، يعجب العالِمُ الفطنُ من حُسنِ استنباطه، ويدهشه ما سمعه أو وقف عليه منه.

وكان -رحمه الله- ذا عفاف تام، واقتصاد في الملبس والمأكل، صينًا، تقيًا، برًا بأمه، ورِعًا عفيفًا، عابدًا، ذاكرًا لله في كل أمر على كل حال، رجّاعًا إلى الله في سائر الأحوال والقضايا، وقّافًا عند حدود الله وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، فلا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث.

فكانت له هيبة عظيمة عند السلاطين والعلماء وعامة الناس، كما عُرف بالصبر، وقوة الاحتمال في سبيل الله، وكان ذا فراسة، وكان مستجاب الدعوة، وله كرامات مشهودة.

لقد عاش -رحمه الله- في عصر كثرت فيه البدع والضلالات، وسادت كثير من المذاهب الباطلة، واستفحلت الشبهات، وانتشر الجهل والتعصب والتقليد الأعمى، وغزيت بلاد المسلمين من قبل التتار والصليبيين (الإفرنج).


أولًا- الحياة السياسية

يستطيع الواصف للحالة السياسية لعصر ابن تيمية رحمه الله أن يحدد معالمها بثلاثة أمور رئيسة:

أ- غزو التتار للعالم الإسلامي.

ب- هجوم الفرنجة على العالم الإسلامي.

ج- الفتن الداخلية، وخاصة بين المماليك والتتار والمسلمين.


ثانيًا- الناحية الاجتماعية

كانت مجتمعات المسلمين خليطًا من أجناس مختلفة، وعناصر متباينة بسبب الاضطراب السياسي في بلادهم.

إذ اختلط التتار -القادمون من أقصى الشرق حاملين معهم عاداتهم وأخلاقهم وطباعهم الخاصة- بالمسلمين في ديار الإسلام الذين هم أقرب إلى الإسلام عقيدة وخُلُقًا من التتر.

ونوعية أخرى ألا وهي أسرى حروب الفرنجة والترك إذ كان لهم شأن في فرض بعض النظم الاجتماعية، وتثبيت بعض العوائد السيئة، والتأثير اللغوي العام على المجتمع المسلم.

إضافة إلى امتزاج أهل الأمصار الإسلامية بين بعضهم البعض بسبب الحروب الطاحنة من التتار وغيرهم، فأهل العراق يفرُّون إلى الشام، وأهل دمشق إلى مصر والمغرب وهكذا.

كل هذا ساعد في تكوين بيئة اجتماعية غير منتظمة وغير مترابطة، وأوجد عوائد بين المسلمين لا يقرها الإسلام، وأحدث بدعًا وشركيات مخالفة للشريعة، خاصةً الإلحاد والزندقة والطعن في الدين والمنقول فكان مشروع حياته "درء تعارض النقل والعقل"، وكذلك بدع الحلول والاتحاد والتصوف الفلسفي واعتقاد أن الكون كله شيء واحد والعبد رب والرب عبد، والبدع الخاصة بالقبور والمشاهد والمزارات المزعومة، والاعتقادات الباطلة في الأحياء والموتى، وأنهم ينفعون ويضرون، ويُدعون من دون الله، وقد توغل الروافض في أمور المسلمين، ونشرهم للبدع والشركيَّات، وتثبيطهم للناس عن الجهاد، ومساعدتهم للتتار أعداء المسلمين.


ثالثًا: الناحية العلمية

في عصر ابن تيمية رحمه الله قَلَّ الإنتاج العلمي، وركدت الأذهان، وأُقفِل باب الاجتهاد وسيطرت نزعة التقليد والجمود، وأصبح قصارى جهد كثير من العلماء هو جمع وفهم الأقوال من غير بحث ولا مناقشة، فأُلِّفت الكتب المُطوّلة والمختصرة، ولكن لا أثر فيها للابتكار والتجديد، وهكذا عصور الضعف تمتاز بكثرة الجمع وغزارة المادة مع نضوب في البحث والاستنتاج.

ويحيل بعض الباحثين ذلك الضعف إلى:

سيادة الأتراك والمماليك مما سبب استعجام الأنفس والعقول والألسن، إضافة إلى اجتماع المصائب على المسلمين، فلم يكن لديهم من الاستقرار ما يمكنهم من الاشتغال بالبحث والتفكير .

ولا ينكر وجود أفراد من العلماء النابهين أهل النبوغ، ولكن أولئك قلة لا تنخرم بهم القاعدة. وثمة أمر آخر في عصر ابن تيمية أثر في علمه ألا وهو: اكتمال المكتبة الإسلامية بكثير من الموسوعات الكبرى في العلوم الشرعية: من التفسير، والحديث، والفقه، وغيرها.

فالسنة مبسوطة، والمذاهب مدونة، ولم يعد من السهل تحديد الكتب التي قرأها وتأثر بها، ولا معرفة تأثير شيوخه عليه بدقة.

وكان مع هذا انتشار الفلسفات والإلحاد والجدل.

هيمنة التصوف، والطرق الصوفية الضالة على العامة من الناس، ومِن ثَمَّ انتشار المذاهب والآراء الباطنية.

ولكن مع كل هذا تَقَوِّي أهل السنة والجماعة بالشيخ، وحفزه لعزائمهم، مما كان له الأثر الحميد على المسلمين إلى اليوم في التصدي للبدع والمنكرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح لأئمة المسلمين وعامتهم.

وقد وقف الشيخ -رحمه الله- في عصره إزاء هذه الانحرافات موقفًا مشهودًا، آمرًا وناهيًا، وناصحًا ومبيِّنًا، حتى أصلح الله على يديه الكثير من أوضاع المسلمين، ونصر به أهل السُّنَّة.


محن الشيخ وجهاده

وقف الشيخ أمام أعداء الإسلام مجاهدًا بالسيف كما شوهد في القتال أثناء فتح عكا، وعجبوا من شجاعته وفتكه بالعدو، وبالكلمة حين رد على أصحاب الملل والنحل والفرق والمذاهب الباطلة والبدع كالطَّود الشامخ، بالمناظرات حينًا، وبالردود أحيانًا حتى فنَّد شبهاتهم، وردَّ الكثير من كيدهم بحمد الله، فقد تصدى للفلاسفة، والباطنية من صوفية، وإسماعيلية، ونصيرية وسواهم، كما تصدى للروافض والملاحدة، وفنَّد شبهات أهل البدع التي تقام حول المشاهد والقبور ونحوه، كما تصدَّى للجهمية والمعتزلة والأشاعرة في مجال الأسماء والصفات.


لمحات من جهود ابن تيمية طيب الله ثراه في التخلص من التتار

 يمكن تلخيص جهود ابن تيمية في جهاده ضدّ التتار من خلال الأحداث الآتية: 

- في عام 697: خلال غزو التتار لبلاد المسلمين بالشام حرّض ابن تيمية على مقاومة التتار، وبيّن الأجر الذي يناله المجاهدون. في عام 699: قدم في هذا العام ملك التتار قازان وجيوشه إلى الشام، وكان لابن تيمية المواقف الآتية: ذهب ابن تيمية وأعيان البلد إلى قازان من أجل مقابلته، وأخذ الأمان للبلد، وقد تحدّث ابن تيمية بكلام شديد الوقع في النفوس، وكان لكلامه مصلحة عظيمة للمسلمين.

وعندما استولى التتار على مدينة دمشق، وكان في نيّتهم الاستيلاء على قلعتها الحصينة، أُرسل ابن تيمية إلى نائب القلعة، وقال له: حتى وإن تبقى من هذه القلعة حجر واحد لا تسلّمها لهم. وقد تمكّن بالفعل من حفظ القلعة، ولم يتمكّن التتار من دخولها. وحاول ابن تيمية مقابلة ملك التتار للمرة الثانية؛ وذلك في العشرين من شهر ربيع الآخر، ولكنّه لم يتمكّن من ذلك، وبعدها ذهب لمقابلة الأمير بولاي، واجتمع به لأجل طلب فكاك مع من كان معه من أسرى المسلمين، وبقي عنده ثلاثة أيام ثمّ رجع. 

وتعرّض الناس لخوف شديد بعد رحيل التتار من دمشق؛ وذلك لأنّهم لا يعلمون متى يعاود التتار الهجوم عليهم، ولذلك اجتمع الناس حول الأسوار لحماية البلد، وكان ابن تيمية يدعو الناس للصبر، والقتال، ويتلو عليهم الآيات القرآنية التي تدعو للجهاد والرباط. في سنة 700: أُشيع خبر عودة التتار إلى الشام، وأصاب الرعب قلوب الناس، وقال ابن كثير: جلس شيخ الإسلام في الجامع، وحرّض الناس على الجهاد، ونهاهم عن الفرار، وطلب منهم إنفاق الأموال على المسلمين ولحماية بلادهم.

وفي سنة 702: شهد هذا العام وقعة شقحب، وفي هذه الوقعة تمّت هزيمة التتار، وكان لابن تيمية دور مميز في هذه الوقعة. وفي سنة 712: خرج ابن تيمية مع السلطان قلاوون؛ وذلك من أجل الجهاد في سبيل الله، وكان هذا بعد محنته والإفراج عنه من سجنه الذي كان في مصر.


الشجاعة والجرأة في حرب التتار

امتاز شيخ الإسلام ابن تيمية بشجاعته وجرأته في محاربة التتار، ويبدو هذا واضحًا عندما اقترب التتار لغزو دمشق، حيث هرب الكثير من كبار البلد وعلمائها، وحتى حكامها، ولم يبقَ مع عامة الناس سوى عالم واحد، وهو ابن تيمية، حيث حال قلبه بينه وبين الهرب والفرار.


دور ابن تيمية في معركة شقحب

بلغ للحكام في مصر عزم التتار على تجديد حملاتهم لدخول بلاد الشام في عام 702هـ بهدف إزالة دولة المماليك؛ مما سبب الخوف والانزعاج للناس هناك، فبدأوا في الهروب إلى الحصون المنيعة وإلى مصر، وبعد أن وصل التتار إلى حمص وبعلبك اشتد قلق الناس وخوفهم هناك بسبب تأخر قدوم بقية الجيش، وبدأت الشائعات بالانتشار، كما بدأ بعض من المثبطين بتثبيط عزائم المقاتلين بسبب قلة المسلمين وكثرة التتار، ومن هنا برز دور شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء المسلمين في التصدّى لهؤلاء المثبّطين، وتقوية عزم المسلمين، وتشجيعهم على قتال التتار.

وتعاهد الأمراء على لقاء العدوِّ، فسكنت نفوس الناس، ودُعي إلى القتال في الجوامع، فازدادت الحماسة، وارتفعت الروح المعنوية لدى الناس والجند، وكان ابن تيمية ممن دعا إلى القتال، وساعد على تهدئة النفوس، وزيادة رباطة الجأش لدى الناس، كما توجَّه إلى العسكر الواصل إلى دمشق من حماة وتحالف معهم على القتال، فقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "إنكم في هذه الكرّة منصورون" فيقول له الأمراء: "قل إن شاء الله"، فيقول: "إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا".

وقد برز دور ابن تيمية أيضًا في الرد على الشبهات التي بدأت تدور حول حكم قتال التتار الذين يظهرون الإسلام دون التزام شرائعه وبقائهم على حكم جنكيز خان واستباحتهم حرمات المسلمين وأموالهم؛ فردَّ عليها شيخ الإسلام ابن تيمية قائلًا: "إنهم من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليٍّ ومعاوية رضي الله عنهما؛ فهم يدعون أنهم أحقّ بإقامة الحق من المسلمين، حتى زالت هذه الشبهة".

سارت الأحداث حتى نظَّم المسلمون في يوم السبت الثاني من شهر رمضان جيشهم في سهل شَقْحَب، واحتدمت المعركة، وفي البداية كانت الغلبة للمغول، إلا أن المسلمين ثبتوا حتى أصبحت الغلبة لهم، فعادوا إلى دمشق وبشَّروا الناس هناك بالنصر.


المحن التي تعرض لها ابن تيمية

ومع كل هذا الفضل العظيم للشيخ فقد امتحن الشيخ مرات عدة بسبب نكاية الأقران وحسدهم، ولما كانت منزلة شيخ الإسلام في الشام عالية عند الولاة وعند الرعية وشى به ضعاف النفوس عند الولاة في مصر، ولم يجدوا غير القدح في عقيدته، فطلب إلى مصر، وتوجه إليها سنة 705هـ. بعدما عقدت له مجالس في دمشق لم يكن للمخالف فيها حجة، وبعد أن وصل إلى مصر بيوم عقدوا له محاكمة كان يظن شيخ الإسلام رحمه الله أنها مناظرة، فامتنع عن الإجابة حين علم أن الخصم والحكم واحد.

واستمر في السجن إلى شهر صفر سنة 707هـ، حيث طلب منه وفد من الشام بأن يخرج من السجن، فخرج وآثر البقاء في مصر على رغبتهم الذهاب معهم إلى دمشق.

وفي آخر السنة التي أخرج فيها من السجن تعالت صيحات الصوفية في مصر، ومطالباتهم في إسكات صوت شيخ الإسلام -رحمه الله- فكان أن خُيِّر شيخُ الإسلام بين أن يذهب إلى دمشق أو إلى الإسكندرية أو أن يختار الحبس، فاختار الحبس، إلا أن طلابه ومحبيه أصروا عليه أن يقبل الذهاب إلى دمشق، ففعل نزولاً عند رغبتهم وإلحاحهم.

وما إن خرج موكب شيخ الإسلام من القاهرة متوجهًا إلى دمشق، حتى لحق به وفد من السلطان ليردوه إلى مصر ويخبروه بأن الدولة لا ترضى إلا الحبس.

وما هي إلا مدة قليلة حتى خرج من السجن وعاد إلى دروسه، وأكبّ الناس عليه ينهلون من علمه.

وفي سنة 709هـ نُفِي من القاهرة إلى الإسكندرية، وكان هذا من الخير لأهل الإسكندرية ليطلبوا العلم على يديه، ويتأثروا من مواعظه، ويتقبلوا منهجه، لكن لم يَدُم لهم الأمرُ طويلًا، فبعد سبعة أشهر طلبه إلى القاهرة الناصر محمد بن قلاوون بعد أن عادت الأمور إليه، واستقرت الأمور بين يديه، فقد كان من مناصري ابن تيمية رحمه الله وعاد الشيخ إلى دورسه العامرة في القاهرة.

وامتُحن شيخ الإسلام بسبب فتواه في مسألة الطلاق ، وطُلب منه أن يمتنع عن الإفتاء بها فلم يمتنع حتى سجن في القلعة من دمشق بأمر من نائب السلطنة سنة 720هـ إلى سنة 721هـ لمدة خمسة أشهر وبضعة أيام.

وبحث حُسّاده عن شيء للوِشاية به عند الولاة فزوّروا كلاماً له حول زيارة القبور، وقالوا بأنه يمنع من زيارة القبور حتى قبر نبينا محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكتب نائب السلطنة في دمشق إلى السلطان في مصر بذلك، ونظروا في الفتوى دون سؤال صاحبها عن صحتها ورأيه فيها، فصدر الحكم بحقه في شعبان من سنة 726هـ بأن ينقل إلى قلعة دمشق ويعتقل فيها هو وبعض أتباعه واشتدت محنته سنة 728هـ حين أُخرج ما كان عند الشيخ من الكتب والأوراق والأقلام، ومنع من ملاقاة الناس، ومن الكتابة والتأليف.


مؤلفاته وإنتاجه العلمي

مؤلفات الشيخ كثيرة يصعب إحصاؤها، وعلى كثرتها فهي لم توجد في بلد معين في زمانه إنما كانت مبثوثة بين الأقطار كما قال الحافظ البزار.

المجالات العلمية التي أسهم فيها شيخ الإسلام ابن تيمية: 

لم يترك الشيخ مجالًا من مجالات العلم والمعرفة التي تنفع الأمة، وتخدم الإسلام إلا كتب فيه، وتلك خصلة قلَّما توجد إلا عند العباقرة النوادر في التاريخ.

وفي مجال التأليف والإنتاج العلمي، فقد ترك الشيخ للأمة تراثًا ضخمًا ثمينًا، لا يزال العلماء والباحثون ينهلون منه مَعينًا صافيًا. وقد توافرت لدى الأمّة منه الآن المجلدات الكثيرة، من المؤلفات والرسائل والفتاوي والمسائل وغير ذلك من المطبوع، وما بقي مجهولاً ومكنوزًا في عالم المخطوطات فكثير.

وذكر ابن عبد الهادي (ت - 744هـ) رحمه الله أن أجوبة الشيخ يشق ضبطها وإحصاؤها، ويعسر حصرها واستقصاؤها، لكثرة مكتوبه، وسرعة كتابته، إضافة إلى أنه يكتب من حفظه من غير نقل فلا يحتاج إلى مكان معين للكتابة، ويُسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو؟ فيلتفت إلى أصحابه، ويقول: ردوا خطي وأظهروه لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه.

ولما حبس شيخ الإسلام خاف أصحابه من إظهار كتبه، وتفرقوا في البلدان، ومنهم من تسرق كتبه فلا يستطيع أن يطلبها أو يقدر على تخليصها.


جهود ابن تيمية العلمية

أبحَرَ ابن تيمية في بحار العلوم على اختلاف أنواعها، وبعد أن استقى العلوم كل علم من منبعه وأساسه وأصله، شرع في فن التأليف والكتابة، فكانت مؤلفات ابن تيمية محط دفع وجذب من وقته إلى اللحظة الآنية، ورغم اتساع رقعة التأليف ومتدادها إلا أن مؤلفات ابن تيمية ملأت المكتبات الإسلامية، وصارت محط أنظار أهل العلم والطلبة، وقد وصلت مؤلفات ابن تيمية إلى ما يقارب 330 مؤلَّفًا، فقد قال الذهبيّ: "لعلّ فتاويه في الفنون تبلغ ثلاثمائة مجلّد بل أكثر، وكان لا يكتب إلا من حفظه كما قال تلميذه ابن عبد الهادي: "أملى شيخنا المسألة الحموية بين الظهر والعصر".


من أشهر مؤلفات ابن تيمية ما يلي:


- رسالة في علم الباطن والظاهر 

هذه الرسالة من أشهر مؤلفات ابن تيمية، جاءت ردًّا على المدّعين أن القران ينقسم إلى قسمين ظاهر وباطن، وقد أتى شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بالنصوص التي بنوا عليها بدعهم، وقد كشف عنها الغطاء، وبيّنها ووضّحها للناس، من حيث صحتها ومن حيث ضعفها، وأظهر للناس ما جاء صحيحًا موافِقًا للشريعة السّمحاء.


- كتاب الإخنائية

 كتاب يتكلم عن زيارة القبور، وفي مقدّمتها قبر الرسول المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وقد بيّن ابن تيمية سبب تأليف هذا الكتاب الذي صار من ضمن مؤلفات ابن تيمية التي نالت قبولًا ورفضًا في آنٍ واحد فقال: "قد أرسل إلي بعض أصحابنا جزءًا أخبر أنه صنّفه بعض القضاة، قد تكلم في مسألة التي انتشر الكلام فيها، وهي السفر إلى غير المساجد الثلاثة، كالسفر إلى زيارة القبور هل هي محرمة أو مباحة أو مستحبة"، فراح في هذا الكتاب مبيّنا للناس ما أشكل بالحجة والدليل والبرهان، وردّ أيضًا على الكلام مبيّنًا بطلان صحته.


- كتاب الصفدية

هو من مؤلّفات ابن تيمية ذات الشهرة، وقد قال ابن عبد الهادي في كتابه "العقود الدرية" كما نقل المحقق: "وكتاب يُعرف بالصفدية في الرد على الفلاسفة في قولهم أن معجزات الأنبياء عليهم السلام قوى نفسانية، وفي إبطال قولهم بقدم العالم"، فالكتاب يبدأ بالسؤال إذ يسأل هذا السائل الذي من صفد، التي تقع في فلسطين، والتي سمّي الكتاب نسبة لهذا السائل الذي منها، ممّا دفع هذا السائل بشيخ الإسلام ابن تيمية إلى تأليف هذا الكتاب، فصار من جملة مؤلفات ابن تيمية العقائدية، وقد استدرك الشيخ محمد رشاد سالم على ابن عبد الهادي قائلا: "والواقع أن الكلام على قِدَم العالم ونَفْي الصفات والردّ على الفلاسفة في ذلك ثم على كلامهم في المعجزات، إنما يشغل ثلث الكتاب فقط، إذ ينتهي في ظهر صفحة 27 بترقيم المخطوط ص236 بأرقام طبعتنا هذه، حيث يقول: "وهذا قدر ما احتملته هذه الأوراق في جواب هذه المسألة، فإنّها مسألة عظيمة تبنى عليها أصول العلم والإيمان، أجبنا فيها بحسب محتمل الحال، وفيها من البسط والقواعد الشريفة ما يعرفه من عرف كلام الناس في هذا الباب"، ثمّ يستطرد ابن تيمية في موضوعات مختلفة يرد فيها على آراء الفلاسفة ومذاهبهم".


- كتاب النبوات

ألّف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الكتاب إلى قسمين، خاص وعام، كان الأمر العام في إظهار عقيدة أهل السنة والجماعة، حتى يفرّق المسلم بين النبوة وادعاء النبوة، وجاء في الكتاب الرد على من خالف النبوة من أهل الكلام، كأمثال الفلاسفة والمعتزلة والأشاعرة، وجاء القسم الثاني ألا وهو الخاصّ، والذي بسببه وبصدده عمد المؤلف إلى تأليف الكتاب، وسمّاه بكتاب النبوات، وإنّ هذا الكتاب من أشهر مؤلفات ابن تيمية، راح يناقش المؤلف في القسم الخاص المذهب الأشعريّ في شأن النبوات، فالكتاب جاء بالإضافة إلى ذلك بالفائدة الكثيرة، تدور حول الموضوع نفسه.


 - كتاب الإيمان

جاء كتاب الإيمان كبيرًا، وله اسم آخر "عين الأعيان في الفرق بين الإسلام والإيمان"، بدأ بمقدمته، ثم عرّف معنى الإيمان والإسلام وهما مجموعتان في قول الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، من ثم بيّن حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقول فيه: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، من ثم قسّم الشرع إلى ثلاثة درجات، ما بين الإسلام والإيمان والإحسان من العموم والخصوص، وأشار إلى أن اسم الإيمان يذكر طورا مقرونا بغير الإسلام، وطورًا مقرونا بالإسلام، في حين يذكر الإيمان مع الإسلام فإن الإسلام هو الأعمال التي في الظاهر، والإيمان الذي وقر في القلب، وإن جاء الإيمان مطلقا في قول الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فهو جاء متناولًا للواجبات والبعد عن المنهيات، والذي نفى الله تعالى عنه الإيمان فحتما يكون قد وقع في الحرام.


- بيان تلبيس الجهمية

 يتكلّم فيه ابن تيمية عمّا يؤوّله الأشاعرة، ومن بين هذه التأويلات التي يؤوّلونها الإستواء على العرش، وقد صرّح ابن تيمية أن كل من يشبّه الله بمن خلقه الله فيخرج من الإسلام، ويجزم في هذا الكتاب ويؤكد أن الذي ينكر ما جاء في النصوص من وصف للخالق تعالى فقد كفر، حيث قال ابن تيمية: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه تشبيهًا"، وقال ابن تيمية أيضا: "المعطل يعبد عدمًا، والمشبه يعبد صنمًا"، ويتكلم ابن تيمية عن مسألة الفتنة من المشرق، وقد علّق ابن تيمية على عبد العزيز الكناني حينما ردّ على الزنادقة والجهمية، وبيّن الجهمية إلى من ينتمون ومن أصلهم وأصل فتنتهم، وهو الجهم بن صفوان، وقد اشتهروا بنفي صفات الألوهية، وقد عطّلوها، وذكر نسبة الأشاعرة والماتريدية إلى فرقة الجهمية، والأكثر أن نسبة الأشاعرة لفرقة الجهمية موجودة في كتب الحنابلة، وجاء أكثر خلافهم في الإستواء واليد والوجه، فيأخذها الأشاعرة إلى منحى المجاز، وفي هذا الكتاب يرد شيخ الإسلام ابن تيمية على الأشاعرة المتأخرين، كأمثال فخر الدين الرازي في مؤلّفه تأسيس التقديس.


- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح

جاء من بين مؤلفات ابن تيمية ليكون أشهر كتابا في مجال الرد على المسيحيّين، ويحمل بين دفّتيه حججًا وبراهين تدلّ على أن الإنجيل قد تحرّف وتبدّل، ومن جملة أقوال ابن تيمية في كتابه أن دين الله واحد، وجاء الأنبياء من عند الله بدين واحد، وجميعهم دعوا إلى الله -سبحانه وتعالى-، وقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية سبب تأليفه للكتاب قائلًا: "وكان من أسباب نصر الدين وظهوره، أن كتابًا ورد من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى، بما يحتج به علماء دينهم وفضلاء ملتهم، قديمًا، وحديثًا من الحجج السمعية، والعقلية، فاقتضى ذلك أن نذكر من الجواب ما يحصل به فصل الخطاب، وبيان الخطأ من الصواب، لينتفع بذلك أولو الألباب، ويظهر ما بعث الله به رسله من الميزان، والكتاب، وأنا أذكر ما ذكروه بألفاظهم بأعيانها فصلًا فصلًا، وأتبع كل فصل بما يناسبه من الجواب فرعًا وأصًلا، وعقدًا وحلًا، وما ذكروه في هذا الكتاب هو عمدتهم التي يعتمد عليها علماؤهم في مثل هذا الزمان، وقبل هذا الزمان، وإن كان قد يزيد بعضهم على بعض بحسب الأحوال، فإن هذه الرسالة وجدناهم يعتمدون عليها قبل ذلك، ويتناقلها علماؤهم بينهم، والنسخ بها موجودة قديمة، وهي مضافة إلى بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكي، كتبها إلى بعض أصدقائه، وله مصنفات في نصر النصرانية، وذكر أنه لما سافر إلى بلاد الروم والقسطنطينية وبلاد الملافطة وبعض أعمال الإفرنج ورومية، واجتمع بأجلاء أهل تلك الناحية، وفاوض أفاضلهم، وعلماءهم، وقد عظم هذه الرسالة، وسماها الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح، والرأي المستقيم".


- قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة

وهدف الكتاب القرب من الخالق سبحانه وتعالى، وعبادته العبادة الصحيحة، والسير على نهج الرسل والأنبياء، وقد انقسم إلى قسمين، ممنوع ومشروع، ومما قاله ابن تيمية في كتابه هذا: "فإن هذه القواعد المتعلقة بتقرير التوحيد، وحسم مادة الشرك والغلو كلما تنوع بيانها ووضحت عباراتها، فإن ذلك نور على نور"، وفي خاتمة الكتاب قال ابن تيمية: "فهذا آخر السؤال والجواب الذي أحببت إيراده هنا بألفاظه لما اشتمل عليه من المقاصد المهمة والقواعد النافعة في هذا الباب مع الاختصار، فإن التوحيد، هو سر القرآن ولب الإيمان، وتنويع العبارة بوجوه الدلالات من أهم الأمور وأنفعها للعباد في مصالح المعاش والمعاد".


- شرح العقيدة الأصفهانية

هذا كتاب ألّفه ابن تيمية من بعد ما أتاه سائل وسأله بأن يشرح "العقيدة الأصفهانية"، والذي مؤلفها شمس الدين الأصفهاني، فوافق على شرحها، وشرحها ووضّح عقيدة أهل السنة والجماعة، بالحجة والدليل القرآني والقول النبوي، وردّ على بعض الأمور الذي خالف بها المؤلف الأصفهاني، وقال ابن تيمية: "الحق أحق أن يتّبع". سلك ابن تيمية في كتابه مسلك أهل السلف الصالح، وقد بُني الكتاب على فصول رئيسة ألا وهي:

- مذهب السلف في الأسماء والصفات.

- الرد على من نفى بعض صفات الله.

- تميز أهل السنة والجماعة عن الكفار والمبتدعين.

- الرد على نفاة الصفات.

- الدليل على علم الله.

- الدليل على قدرة الله.

- الدليل على أنه سبحانه حي.

- إثبات صفتي العلو والكلام والرد على النفاة.

- طريقة إثبات السلف والأئمة لكلام الله سبحانه والرد على المشبهة.

- طرق أخرى في إثبات كونه سبحانه متكلمًا.

- إثبات كون الله سميعًا بصيرًا.

- الدليل على نبوة الأنبياء.

- طرق دلالة المعجزة على الصدق.

- مسألة التحسين والتقبيح العقليين.

- دلائل نبوة النبيّ محمد.

- التصديق بما أخبر به النبي محمد من الأمور الغيبية.


ومن أبرز كتبه المطبوعة ما يلي:

- الاستقامة: طبع في جزئين.

- اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم: طبع في جزئين.

- بيان تلبيس الجهمية: حقق في ثمان رسائل دكتوراة.

- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح.

- درء تعارض العقل والنقل: طبع في عشرة أجزاء، والجزء الحادي عشر خُصص للفهارس.

- الصفدية: طبع في جزئين.

- منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية: وطبع في ثمانية أجزاء، وخصص الجزء التاسع منه للفهارس.

- النبوّات: مطبوع.

وله من الكتب والرسائل الكثير جداً مما طبع بعضه مستقلاً، وبعضه في مجاميع كبيرة وصغيرة، والكثير منه لا يزال مخطوطاً سواء كان موجوداً أو في عداد المفقود.

- مجموع الفتاوى:

تتألف هذه المجموعة القيمة - أو هذا المجموع – من "فتاوى" – وهي الأكثر – ومن "كتب" و"رسائل" و"نقول" بلغ عدد مجلداتها "أربعة وثلاثين مجلدًا"، قسم منها مطبوع عدد صفحاته (7000) تقريبًا وقسم لم يسبق له أن طبع؛ بل كان مخبوءًا في زوايا المكتبات العامة، أو الخاصة فالمخطوطات - التي لم يسبق لها طبع - أكثر من الثلث في هذا المجموع.

وإن كان في هذا المجموع المبارك أجزاء قد طبعت فيما سبق إلا أنها أدخلت في الفتاوى وكان لها تصحيح ومقابلة، وقد قال الشيخ بكر أبو زيد عن مجموع فتاوى شيخ الإسلام وكان جهد الشيخين (عبدالرحمن بن القاسم وابنه محمد) فيما سبق طبعه لا يقل عن جهدهما فيما لم يسبق طبعه، لأنهما استحصلا على الأصول الخطية لها فقابلاها مع المطبوع، فأصلحا ما وقع عن غلط وتصحيف وسقط وفوت، وهكذا الكمال "عزيز.


مجهود الشيخ "عبدالرحمن بن القاسم" في جمع "مجموع فتاوى شيخ الإسلام"

الشيخ عبدالرحمن بن القاسم - رحمه الله تعالى - جمع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية بمساعدة ابنه محمد، ورتبها وقسمها إلى أبواب جمع في كل باب ما يناسبه من الفتاوى، فبلغت خمسة وثلاثين مجلدًا، احتوت على علم كثير وأماطت اللثام عن محيا شيخ الإسلام فاتضحت بها معالم نهجه في كل العلوم، وأشرقت بها أنوار سواحل علمه وتحقيقه، فنهل طلاب العلم من معينه العذب الزلال عن طريق ذلك المجموع الفريد.

 

يقول العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - رحمه الله: (إن هذا المجموع المبارك "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية لابن قاسم هو غرة في جبين الدهر، زينة لأهل الإسلام، لسان صدق للعلماء، عمدة للباحثين، نفع الله به أقواما بعد آخرين وقد انتشر في العالمين انتشار العافية، وكتب له من القبول والانتشار ما يعز نظيره في جهود المتأخرين فالحمد لله رب العالمين).


وقد أخذ هذا المجموع المبارك من عمر (الشيخ وابنه محمد) أكثر من أربعين سنة حتى أخرجاه مطبوعا مبوبًا منقحا، يقول حفيده "الشيخ عبد الملك القاسم" في كتابه واصفًا ما عاناه جده وأبوه في إخراج هذا العمل المبارك: "وقد أمضى الجد والوالد رحمهما الله تعالى أكثر من أربعين عامًا في جمعه وترتيبه وطبعه، وقد وجدوا في سبيل ذلك، من العناء والمشقة ما أحتسب أن يكون رفعة لهما وذخرا...

فقد عانيا من كثرة السفر، والبحث عن المخطوطات وترك الأهل والأبناء ومفارقة الأوطان مع قلة الزاد، ثم في قراءة وفك خط شيخ الإسلام حيث إنه -قدس الله روحه- كان سريع الكتابة وكان خطه في غاية التعليق والإغلاق وبعضه بدون نقط ولا تكاد تظهر حروفه وقد أشكلت على تلميذه ابن الوردي فيدعو تلميذه أبا عبد الله بن رشيق المغربي لحله".

ومن القصص أن محمد ابن الشيخ عبد الرحمن وقد كان يساعده في جمع الفتاوى أنه كان لديه مجموعة من المخطوطات لشيخ الإسلام ولم يستطع إدخالها في مجموع الفتاوى لعدم استطاعته قراءة ما فيها لرداءة الخط. وبعد حين حلها شيئا فشيئا حتى طبعها ضمن (المستدرك على مجموعة الفتاوى)


وكان ابن قاسم - رحمه الله تعالى - محتسبًا في كل ذلك الجهد الذي قام به فلم يأخذ عليه مقابلًا ماديًا.

وهل يمكن أن يؤخذ على مثل ذلك العمل الفريد مقابل - أيا كان - من الدنيا وهل الدنيا برمتها تساوي مجلدًا واحدًا من ذلك المجموع؟


الرحلة في جمع الفتاوى:

جاء في كتاب "عبدالرحمن بن قاسم" حاكيًا المؤلف عن أبيه أنه قال: "بدأ فضيلة الوالد - بارك الله في أوقاته ونفع الإسلام والمسلمين بمجاميعه ومؤلفاته – في جمعها في الوقت الذي ندرت فيـه "حركة الجمع، والتأليف في نجد أي بعد سنة (1340 هـ) أثناء تفتيشه عن "فتاوى علماء نجد فوجد عند الشيخ "محمد بن عبد اللطيف" رحمه الله نحو ثلاثة مجلدات وهو أكثر من وجد عنده الفتاوى؛ وكان رحمه الله تعالى- معتنيًا بمؤلفات شيخ الإسلام وأئمة الدعوة، ومكتبته موجودة الآن، وبحث الوالد، وفتش في "المخطوطات" الموجودة عند المشايخ وطلاب العلم؛ كما سافر، وراسل من قدر له الاتصال به في نجد وكانت نجد، ولازالت - بحمد الله - أسعد الأقاليم بالانتفاع بمؤلفات شيخ الإسلام، وتداولها، وتدريسها.

ولما باشر تصحيح "فتاوى أئمة الدعوة النجديين" – في مكة المكرمة - فتش في المخطوطات الموجودة بمكتبة الحرم المكي" فاستخرج منها عددًا من المسائل؛ كما تحصل على مسائل من بعض العلماء الأفاضل.

وقد سافر لجمع الفتاوى من مكة و بيروت ودمشق وحلب وحماة وبعد ذلك بغداد وإلى القاهرة وباريس.


الشروع في الترتيب:

بعد أن جمع ما تيسر له من المخطوطات أشار عليه المفتي الأكبر للمملكة السعودية "الشيخ محمد بن إبراهيم" بأن يضم الموجود من المخطوطات إلى المطبوعات ويرتب الجميع على حسب الفنون، وعلى ترتيب أبواب الكتب المتداولة بين العلماء والطلاب؛ لتسهل المراجعــة ولاسيما على من قل إلمامهم بمؤلفات هذا الإمام.

سارع إلى قبول هذا الإرشاد، وشرع في الترتيب وجعل "قسمًا في الفقه" مرتبًا على ترتيب "كتب المتأخرين" من فقهاء المذهب الحنبلي كـزاد المستقنع وشرحه، "وقسمًا في أصول الدين" يشمل العقائد وما يتصـل به، و"قسمًا في تفسير القرآن"، و"قسمًا في المنطق"، و"قسمًا في الحديث"، وما وجد من المسائل مشتملًا على بحثين في فنين فأكثر، أو في بابين من فن واحد - ينفصل أحدهما عن الآخر بدون إخلال بالمعنى- فصل أحدهما عن الثاني ونسخه في صحائف أو صحيفة مستقلة، وألحقه بموضعه المناسب له، فنسخ بيده مسائل كثيرة، واستنسخ بعضًا؛ فأصبح مجموع المخطوطات والمطبوعات بعد الترتيب نحوًا من عشرين مجلدًا؛ ثم كلما طبع شيئًا من الفتاوى ألحقه بها، واستفاد من هذا الجمع أن اطلع على ترجيحات "شيخ الإسلام" واستدلاله، وحكايته الإجماع والخلاف وغير ذلك؛ فأضاف "محمد بن عبدالرحمن القاسم" ذلك إلى مؤلفاته، فاكتسبت ميزة، وصبغة تحقيق بسب عمله المبارك في هذا المجموع.


ومن لطائف هذا المجموع ما ذكره الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله وشفاه (أن ابن مري المتوفى بعد سنة ٧٢٨هـ كتب رسالة لتلاميذ شيخ الإسلام وقد ضمنها الوصية لكتب شيخ الإسلام ثم قال: (ووالله - إن شاء الله - ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه و واستخراج مقاصده ، واستحسان غرائبه وعجائبه رجالاً هم الآن في أصلاب آبائهم...) 

فقال الشيخ بكر أبو زيد معلقًا: (وقد برت يمين ابن مري - بحمد الله ومنّته فقام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم المتوفى عام 1392هـ رحمه الله بمساعدة ابنه محمد بن قاسم المتوفى عام 1421هـ بعد نحو ستة قرون بهذه المهمة الجليلة في جمع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيميه)


يقع مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" في (37) مجلدًا، وقد رتبها الشيخ عبدالرحمن وقسمها فنونًا وأبوابًا، وأضاف إليها المطبوع من الرسائل الصغيرة والفتاوى، فبلغت خمسة وثلاثين مجلدًا احتوت على علم جم لا يقدر قدره، ثم عمل لها محمد بن القاسم - رحمه الله - فهرسًا مفصلًا كان كالتقريب لها ويقع في مجلدين ضخمين، وقد حوى "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" العديد من كتب العقيـدة والرسائل والمسائل العقدية، وأجزاء العقيدة والتوحيد، والفقه، والأصول، والحديث، والتفسير، وغيرها من العلوم الأخرى في (37) مجلدًا.


تقسيمات أبواب مجموع فتاوى ابن تيمية

-المجلد الأول: توحيد الألوهية، وعدد صفحاته (405) صفحات.

-المجلد الثاني: توحيد الربوبية، وعدد صفحاته (524) صفحة.

-المجلد الثالث: مجمل اعتقاد السلف، وعدد صفحاته (471) صفحة.

-المجلد الرابع: مفصل الاعتقاد، وعدد صفحاته (579) صفحة.

-المجلد الخامس: توحيد الأسماء والصفات، وعدد صفحاته (607)صفحات.

-المجلد السادس: توحيد الأسماء والصفات، وعدد صفحاته (627) صفحة.

-المجلد السابع: الإيمان وعدد صفحاته (708) صفحات.

-المجلد الثامن: القدر، وعدد صفحاته (572) صفحة.

-المجلد التاسع: المنطق، وعدد صفحاته (336) صفحة.

-المجلد العاشر : علم السلوك، وعدد صفحاته (793) صفحة.

-المجلد الحادي عشر: التصوف، وعدد صفحاته (728) صفحة.

-المجلد الثاني عشر: القرآن كلام الله وعدد صفحاته (621) صفحة.

-المجلد الثالث عشر: مقدمة التفسير، وعدد صفحاته (445) صفحة.

-المجلد الرابع عشر: التفسير من سورة الفاتحة إلى سورة الأعراف، وعدد صفحاته (521) صفحة.

-المجلد الخامس عشر : التفسير من سورة الأعراف إلى سورة الزمر، وعدد صفحاته (470) صفحة.

-المجلد السادس عشر : التفسير من سورة الزمر إلى سورة الإخلاص، وعدد صفحاته (620) صفحة.

-المجلد السابع عشر : التفسير من سورة الإخلاص والمعوذتين، وعـــــدد صفحاته (549) صفحة.

-المجلد الثامن عشر: الحديث، وعدد صفحاته (406) صفحات.

-المجلد التاسع عشر: أصول الفقه - الاتباع وعدد صفحاته (328) صفحة.

-المجلد العشرون: أصول الفقه - التمذهب، وعدد صفحاته (614) صفحة.

-المجلد الواحد والعشرون: الفقه الطهارة، وعدد صفحاته (670) صفحة.

-المجلد الثاني والعشرون: الفقه الصلاة، وعدد صفحاته (656) صفحة.

-المجلد الثالث والعشرون: الفقه من سجود السهو إلى صلاة أهــل الأعذار، وعدد صفحاته (435) صفحة.

-المجلد الرابع والعشرون: الفقه من صلاة أهل الأعذار إلى الزكاة، وعدد صفحاته (400) صفحة.

-المجلد الخامس والعشرون: الفقه - الزكاة والصوم، وعــدد صفحاته (350) صفحة.

-المجلد السادس والعشرون: الفقه - الحج، وعدد صفحاته (325)صفحة.

-المجلد السابع والعشرون: الفقه - الزيارة، وعدد صفحاته (527)صفحة.

-المجلد الثامن والعشرون: الفقه - الجهاد، وعدد صفحاته (695) صفحة.

-المجلد التاسع والعشرون: الفقه - البيع، وعدد صفحاته (590) صفحة.

-المجلد الثلاثون: الصلح إلى الوقف، وعدد صفحاته (462) صفحة.

-المجلد الحادي والثلاثون: الوقف إلى النكاح، وعدد صفحاته (416)صفحة.

-المجلد الثاني والثلاثون: النكاح، وعدد صفحاته (393) صفحة.

-المجلد الثالث والثلاثون: الطلاق، وعدد صفحاته (263) صفحة.

-المجلد الرابع والثلاثون: الظهار إلى قتال أهل البغي، وعـــــدد صفحاته(271) صفحة.

-المجلد الخامس والثلاثون: قتال أهل البغي إلى الإقرار، وعدد صفحاته(487) صفحة.

-المجلد السادس والثلاثون: الفهارس العامة والتقريب، وعدد صفحاته (468) صفحة.

-المجلد السابع والثلاثون: الفهارس العامة مع التقريب، وعدد صفحاته (512) صفحة.


بارك الله في علم الإمام ابن تيمية وأدام نفعه وجعله في موازين حسناته ورفعًا لدرجاته.



وفاة الإمام ابن تيمية

تُوفِّي الشيخ رحمه الله وهو مسجون بسجن القلعة بدمشق ليلة الإثنين 20 من شهر ذي القعدة سنةَ 728هـ، وأُذن للناس بالدخول فيها، ثم غُسل فيها وقد اجتمع الناس بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وصُلي عليه بالقلعة، ثم وضعت جنازته في الجامع والجند يحفظونها من الناس من شدة الزحام، ثم صُلي عليه بعد صلاة الظهر، ثم حملت الجنازة، واشتد الزحام، فقد أغلق الناس حوانيتهم، ولم يتخلف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو من أعجزه الزحام، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام.


جاء في كتاب البداية والنهاية ذكر قصة وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية

 قال الشيخ علم الدين البرزالي في تاريخه: وفي ليلة الإثنين العشرين من ذي العقدة توفي الشيخ الإمام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد المجاهد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الإمام العلامة المفتي شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقلعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرؤوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا، ثم حضر جماعة من النساء ففعلن مثل ذلك ثم انصرفن واقتصروا على من يغسله.

فلما فرغ من غسله أخرج ثم اجتمع الخلق بالقلعة والطريق إلى الجامع وامتلأ الجامع أيضا وصحنه والكلاسة وباب البريد وباب الساعات إلى باب اللبادين والغوارة، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع، والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام، وصلّي عليه أولا بالقلعة، تقدم في الصلاة عليه أولا الشيخ محمد بن تمام، ثم صلّي عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر.

وقد تضاعف اجتماع الناس على ما تقدم ذكره، ثم تزايد الجمع إلى أن ضاقت الرحاب والأزقة والأسواق بأهلها ومن فيها، ثم حمل بعد أن صلّي عليه على الرؤوس والأصابع، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له.

وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم وتارة يتأخر، وتارة يقف حتى يمر الناس، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها وهي شديدة الزحام، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها من شدة الزحام فيها، لكن كان معظم الزحام من الأبواب الأربعة: باب الفرج الذي أخرجت منه الجنازة، وباب الفراديس، وباب النصر، وباب الجابية.

وعظم الأمر بسوق الخيل وتضاعف الخلق وكثر الناس، ووضعت الجنازة هناك وتقدم للصلاة عليه هناك أخوه زين الدين عبد الرحمن، فلما قضيت الصلاة حمل إلى مقبرة الصوفية فدفن إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله رحمهما الله.

وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة من يأتي ويصلي عليه من أهل البساتين وأهل الغوطة وأهل القرى وغيرهم، وأغلق الناس حوانيتهم ولم يتخلف عن الحضور إلا من هو عاجز عن الحضور، مع الترحم والدعاء له، وأنه لو قدر ما تخلف، وحضر نساء كثيرات بحيث حزرن بخمسة عشر ألف امرأة، غير اللاتي كن على الأسطحة وغيرهن، الجميع يترحمن ويبكين عليه فيما قيل.


بعض ما قيل في الثناء عليه رحمه الله

قال العلامة كمال الدين بن الزملكاني: كان إذا سئل عن فن من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه ولا تكلم في علم من العلوم، سواء أكان من علوم الشرع أم غيرها إلا فاق فيه أهله، والمنسوبين إليه، وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.

وقال أيضاً فيه: اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها.

وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: لما اجتمعتُ بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه، يأخذ منها ما يريد، ويدع ما يريد.

وقال أبو البقاء السبكي: والله يا فلان ما يبغض ابن تيمية إلا جاهل أو صاحب هوى، فالجاهل لا يدري ما يقول، وصاحب الهوى يصده هواه عن الحق بعد معرفته به.

بعض مقولات الإمام الذهبي في ابن تيمية: ومنها قوله: ابن تيمية: الشيخ الإمام العالم، المفسر، الفقيه، المجتهد، الحافظ، المحدث، شيخ الإسلام، نادرة العصر، ذو التصانيف الباهرة، والذكاء المفرط.

وقال الشوكاني رحمه الله: إمام الأئمة المجتهد المطلق.


رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، وأسكننا وإياه في الفردوس الأعلى من جنته.

الابلاغ عن خطأ